“أغنى دولة عربية بالذهب تجوع”.. هل يكون حل أزمة لبنان في بيع مخزونه الذهبي أم يؤدي ذلك لتفاقمها؟

مع وصول الأزمة اللبنانية إلى مستوى غير مسبوق بدأ يُثار جدل حول مسألة تسييل احتياطي الذهب اللبناني، الذي يشكل جزءاً من احتياطيات مصرف لبنان (البنك المركزي)، في ظل قرب نفاد احتياطيات البنك من الدولار، ووصول البلاد إلى مرحلة قد لا تستطيع فيها شراء احتياجاتها الأساسية.

ويعاني لبنان من أكبر أزمة اقتصادية في تاريخه، حتّى إن البنك الدولي صنّف الأزمة اللبنانية ضمن أصعب ثلاث أزمات سُجلت في التاريخ منذ منتصف القرن التاسع عشر.




فمنذ 2019، أدى الانهيار القياسي في قيمة العملة المحلية مقابل الدولار، فضلاً عن شح الوقود والأدوية والغلاء القياسي في أسعار السلع الغذائية، إلى فقدان المواطنين قدرتهم الشرائية.

وفي 27 أغسطس/آب 2020، قدّر حاكم مصرف لبنان المركزي رياض سلامة، احتياطي النقد الأجنبي بـ19.5 مليار دولار، والاحتياطيات الإلزامية بـ17.5 مليار دولار.

إلا أنه في شهر فبراير/شباط الماضي، كشف وزير المال اللبناني في حكومة تصريف الأعمال، غازي وزني، أن تلك الاحتياطيات المتبقية للدعم ستنفد بنهاية مايو/أيار الماضي، ما لم يتم تقليص الدعم.

وتفيد تقارير بتراجع احتياطي مصرف لبنان من العملات الصعبة من أكثر من 43 مليار دولار إلى ما يقارب 15 ملياراً، لا تشكل سوى مستوى الاحتياط الإلزامي العائد للمودعين، والموضوع من قِبل المصارف أمانة لدى “المركزي”، فيما يُعتبر الذهب من الدعائم النفسية المتبقية للبنانيين.

وقال نافذ ذوق، من “أوكسفورد إيكونوميك”، إن حقيقة أن البنك المركزي مدين بـ67 مليار دولار للبنوك التجارية من شأنه أن يحول رقم الاحتياطيات إلى السالب، وحتى بعض صانعي السياسة يوافقون على ذلك.

وأدت كثرة الحديث عن الاقتراب من المس بالاحتياطي الإلزامي إلى فتح المجال أيضاً أمام طرح أسئلة حول تسييل احتياطي الذهب اللبناني في مصرف لبنان، والذي كان دائماً بعيداً عن التداول.

أكبر دولة عربية من حيث نصيب الفرد في الذهب

يبلغ احتياطي الذهب اللبناني حالياً 18 مليار دولار، بحسب تصريح أدلى به حاكم مصرف لبنان رياض سلامة في نهاية عام 2020، لكن بلغت قيمته بنهاية النصف الأول من 2021، قرابة 15 مليار دولار.

لا يعود التراجع في قيمة احتياطي الذهب اللبناني إلى قيام البلاد بالسحب منها وتسييلها واستخدام النقد الأجنبي، بل هو مرتبط بتراجع أسعار الذهب عالمياً من متوسط 2000 دولار إلى 1800 دولار للأونصة.

حجماً، تبلغ احتياطيات لبنان من الذهب 286.8 طن، بحسب بيانات مجلس الذهب العالمي، المحدثة الشهر الماضي، جاء خلالها بالمرتبة 20 عالمياً.

في المقابل، فقد انضم لبنان، وفق منظمة الأغذية والزراعة “الفاو” وبرنامج ‏الأغذية العالمية، إلى لائحةٍ تضم اليمن وسوريا والصومال، على أنه من الدول المهدد مواطنوها بانعدام الأمن الغذائي والجوع الحاد.

المفارقة أنه رغم هذه الأزمة، التي أوصلت لبنان لحافة المجاعة، حسب رئيس وزرائه حسان دياب، فإن لبنان يعد من أكبر الدول العربية من حيث احتياطي الذهب.

ففي أحدث تقاريره، نشر مجلس الذهب العالمي قائمة الدول الـ100 الأكثر حيازة للذهب ضمن أصولها الاحتياطية، وتصدرت السعودية الدول العربية باحتياطيات المعدن النفيس، أما لبنان فقد حل في المرتبة الثانية عربياً باحتياطي يبلغ 286.8 طن، وبعد احتساب حصة الفرد الواحد من احتياطيات الذهب يظهر أن المواطن اللبناني يتصدر أقرانه من الدول العربية بهذا المؤشر، إذ تبلغ حصته 1.35 أونصة ذهب (وزن الأونصة = 31.10 غرام).

ثلث احتياطي الذهب اللبناني موجود في قلعة فورت نوكس بالولايات المتحدة، فيما آلاف السبائك الذهبية الموجودة تحت الأرض في خزائن فولاذية في مصرف لبنان يتطلب لفتحها 3 مفاتيح، مفتاح يبقى مع مفوض الحكومة لدى مصرف لبنان، ومفتاحان مع الدوائر المختصة في المصرف المركزي، حسبما ورد في تقرير لصحيفة النهار اللبنانية.

لماذا يريد البعض تسييل احتياطي الذهب اللبناني؟

تتناقض الاقتراحات بين قائلين بضرورة الإفادة من احتياطي الذهب اللبناني في الأزمة الحالية، كبديل عن رفع الدعم، وبعد وصول العملات الأجنبية في “المركزي” إلى قاع الهاوية.

فيما يعتبر آخرون أن الطبقة التي سرقت الأموال تطمح إلى القضاء على ما تبقّى من ثروة لبنانية لتقضي عليها وعلى البلد، وفق مقال موريس متى في صحيفة النهار.

وتلجأ البنوك المركزية حول العالم لبناء جزء من احتياطاتها النقدية بالذهب، باعتباره الملاذ الآمن للعملة المحلية من جهة، والحاجة لتسييله المباشر عند الحاجة إلى دعم عملاتها المحلية، ولأن المعدن الأصفر الأقل تذبذباً في ظل تزايد المخاطر العالمية.

وتكشف بيانات مجلس الذهب العالمي، أن لبنان لم يمس أي كمية من الذهب خلال الأزمات الاقتصادية والسياسية، بما فيها الأزمة الأخيرة، وفقاً لتقرير نشرته مجلة “المجلة” السعودية نهاية العام الماضي.

هل عملية تسييل الذهب سهلة؟

يعد الذهب ثالث أكبر الأصول الاحتياطية في العالم. يعتبر الذهب عموماً أصلاً استراتيجياً يمكن نشره لإدارة السيولة قصيرة الأجل، وكمخزن للقيمة بمرور الوقت. إنه أصل مناسب تماماً لتلبية الأهداف الاستراتيجية للبنوك المركزية المتمثلة في: الأمان والسيولة والعائد.

والذهب هو الأصل الاحتياطي الوحيد الخالي من المخاطر السياسية والمخاطر المقابلة، عكس العملات الأجنبية، كما لا يمكن للمطابع أو بإجراءات السياسة النقدية غير العادية أن تُفكك من أساس قيمة الذهب. وتعتبر خصائص الذهب هذه جذابة بشكل خاص في بيئة اليوم، التي تتسم بالمخاطر السياسية المتزايدة والتهديدات المتزايدة لاستقلال البنك المركزي والمخاوف من تسييل الديون وحروب العملة.

ونظراً لعدم وجود مخاطر ائتمانية على الذهب، فإنه غالباً ما يمثل ملاذاً آمناً خلال أوقات الأزمات المالية، ما يؤدي إلى ارتفاع سعره. وكانت عوائد الذهب إيجابية خلال ثمانٍ من الفترات التسع الأخيرة من المخاطر النظامية، ما يُسلط الضوء على قدرة الذهب على الحفاظ على رأس المال في أوقات الأزمات، وعادلت عائدات الذهب خلال العقود الماضية الأسهم وفاقت السندات.

وقال النائب السابق لحاكم مصرف لبنان غسان العياش، إن “التجارب أثبتت أن الولايات المتحدة لا تفرج عن الذهب العائد إلى الحكومات الأجنبية بشكل سريع، بل تأخذ وقتاً وسنوات للتجاوب مع طلب استرداد الذهب”.

القانون اللبناني يمنع التصرف في احتياطي الذهب

تمسكت الحكومات اللبنانية المتعاقبة والمصرف المركزي منذ أواخر سنة 1986، بالحفاظ على الاحتياطيات الآمنة من الذهب كملاذ آمن أمام أي تصاعد في الأزمات النقدية والمالية والأمنية والسياسية التي شهدتها البلاد منذ ذلك التاريخ.

ويقول العياش للأناضول إن مجلس النواب اللبناني برئاسة حسين الحسيني، أصدر عام 1986 قانوناً منع مصرف لبنان من التصرف في الذهب.

وأضاف: “خلال ذلك العام، شعر الحسيني بوجود نية لدى حاكم المصرف الراحل إدمون نعيم بالتصرف في الذهب “لكي يُسهم في سد عجز الموازنة”.

لهذا السبب جمع الحسيني النواب وأصدروا قانوناً يمنع التصرف في الذهب إلا بموافقة مجلس النواب، بحسب عياش.

وجاء في القانون: “بصورة استثنائية، وخلافاً لأي نص، يمنع منعاً مطلقاً التصرف بالموجودات الذهبية لدى مصرف لبنان أو لحسابه مهما كانت طبيعة هذا التصرف وماهيته، سواء أكان ذلك بصورة مباشرة أو غير مباشرة، إلا بنص تشريعي يصدر عن مجلس النواب”.

كما أن التوافق على تعديل القانون اليوم للتصرف في الذهب ليس سهلاً، بحسب عياش، بسبب وجود معارضة داخل المجتمع اللبناني لهذا الأمر.

تجدر الإشارة إلى أنه خلال فترة الحرب الأهلية التي صدر خلالها هذا القانون كان معدل تدهور الليرة اللبنانية أسوأ من الوضع الحالي، ولم يحدث تسييل للذهب اللبناني.

وحتى الآن، لم تطلب أي جهة سياسية التصرف في الذهب اللبناني.

التفريط بالذهب كارثة في غياب خطة اقتصادية، وهذا ما حدث في تجارب سابقة

وتوافق كلام عياش مع رئيس مؤسسة “JUSTICIA” الحقوقية، بول مرقص، الذي شدد على أن “حماية الذهب يجب أن تستمر في ظل غياب إدارة رشيدة في لبنان، وعدم وضع خطة حول كيفية التصرف فيه”.

وأكد مرقص للأناضول، أنه “لا يجب تضييع الذهب من خلال تسييله، وأن يكون مصيره مشابهاً لمصير الاحتياطيات النقدية الأجنبية”.

في حين أن بيع كميات كبيرة من الذهب ليس بهذه السهولة، إلا أن البلدان الواقعة تحت ضغط مثل فنزويلا قد حشدت أكوام الذهب الخاصة بها كضمان لعمليات المقايضة للوصول إلى العملة الصعبة، حسبما ورد في تقرير لوكالة Reuters.

ولكن يجب ملاحظة أن فنزويلا لا تمثل نموذجاَ ناجحاً على الإطلاق، كما أن تسييل جزء من الذهب اللبناني هدفه ليس حل الأزمة بل تأجيلها، لأنه سيستخدم لسد العجز وتوفير السيولة الأجنبية لاستيراد السلع الخارجية لفترة مؤقتة.

ويضاف لذلك المخاوف من الفساد وعدم الاستقرار الذي تعززه تجارب سابقة مع احتياطيات لبنان المالية، بحسب الخبراء.

وشرح عياش كيفية خسارة الاحتياطي الإلزامي في لبنان، قائلاً إن “مصرف لبنان أخذ من القطاع المصرفي 80 مليار دولار، منها 15 مليار دولار كاحتياطي إلزامي”.

وختم: “خسرنا منها 65 مليار دولار هدراً، بسبب دعم الليرة اللبنانية، لذا بقي 15 مليار دولار فقط”.


عربي بوست