سفيرتان في “غير محلهما” قد تغضبان الرياض

في سابقة دبلوماسية من نوعها، تقوم سفيرتان لدولتين كبيرتين بزيارة إلى دولة ثالثة خارج تكليفهما الرسمي لحثها على تقديم مساعدات للدولة المأزومة.

وذكر بيان صادر عن سفارتي فرنسا والولايات المتحدة أن سفيرتي البلدين لدى لبنان آن غريو ودوروثي شيا ستسافران إلى السعودية لعقد اجتماعات متعلقة بالشأن اللبناني مع مسؤولين سعوديين الخميس.




ورغم أن السفارة الفرنسية تشير إلى ترتيبات مسبقة على مستوى دبلوماسي، وأن السعودية لم ترفض استقبال السفيرتين، إلا أن هذه الزيارة غير المعهودة في الأعراف الدبلوماسية ستثير امتعاض الرياض.

ومن المقرر أن يشمل الاجتماع الذي يعقد اليوم الخميس بين السفيرتين مع المسؤولين السعوديين نقاشا عن مساعدات للقوات المسلحة اللبنانية وقوات الأمن الداخلي.

ويعني إرسال السفيرتين أن واشنطن وباريس لا تزالان تقاطعان القيادة في السعودية ولا تريدان إرسال وزيري خارجية البلدين لبحث الموضوع اللبناني والاكتفاء بإرسال سفيرتين خارج إطار تكليفهما للحصول على مساعدات.

وترى واشنطن أن تجربة سفيرها في طرابلس ريتشارد نورلاند في التجوال على الدول المعنية بالشأن الليبي تؤهلها لكي تكرر التجربة مع الشأن اللبناني.

لكن لو صح ذلك فإن كلا من واشنطن وباريس تعبران عن “سذاجة دبلوماسية” استثنائية في فهم العلاقة السعودية – اللبنانية من جهة، وعن حساسية الرياض من الاستمرار في هذا النوع من مقاطعتها.

وقد لا تبدي الرياض استياء علنيا، لكنها بالتأكيد لن تسمح بالاستمرار بالتعاطي معها على مستوى المبعوثين والسفراء.

وعلى هامش قمة العشرين التي عقدت في إيطاليا نهاية الشهر الماضي عقد وزير الخارجية الأميركي أنتوني بلينكن اجتماعا ثلاثيا بشأن لبنان مع وزيري الخارجية الفرنسي جان إيف لو دريان والسعودي الأمير فيصل بن فرحان آل سعود. ويرجح أن يكون تم الترتيب في الاجتماع الثلاثي لزيارة السفيرتين إلى الرياض.

وتتزامن زيارة السفيرتين مع زيارة الأمير خالد بن سلمان نائب وزير الدفاع السعودي إلى واشنطن واستقباله على مستوى رفيع من كبار المسؤولين الأميركيين مما يتيح الفرصة للتباحث في الشأن اللبناني إذا كان هناك اهتمام في الرياض أو واشنطن لبحثه في هذه المرحلة.

وأشار بيان للسفارة الفرنسية في بيروت أن غريو ستؤكد خلال اللقاءات على أنه “من الملحّ أن يشكلّ المسؤولون اللبنانيون حكومةً فعالة وذات مصداقية تعمل بهدف تحقيق الإصلاحات الضرورية لمصلحة لبنان”.

كما ستعرب السفيرتان عن رغبة بلادهما في “العمل مع شركائهما الإقليميين والدوليين للضغط على المسؤولين عن التعطيل”.

ولا تبدي السعودية أيّ حماس لمسألة المساعدات في لبنان على خلفية اتهام الرياض للمسؤولين اللبنانيين بتسليم إدارة البلد إلى حزب الله، المدعوم من إيران.

وقد عملت الرياض ما في وسعها لسنوات مضت على دعم لبنان وحث الفرقاء على منع ارتهانه إلى أيّ جهة خارجية، لكن اللبنانيين ظلوا ينظرون إلى المملكة كجهة مهمتها ضخ الأموال وتحريك الاقتصاد والسياحة دون أيّ التزام سياسي تجاهها، وهو خيار لم يعد يتماشى مع سياستها الجديدة.

وقال مصدر دبلوماسي عربي في بيروت إن “السعودية لم تبد حتى الآن رغبة في الانخراط في التفاصيل”، بشأن موضوع المساعدات وكذلك تشكيل الحكومة.
Thumbnail

ومن الواضح أن واشنطن وباريس تدفعان الدول التقليدية المانحة للبنان إلى تقديم مساعدات عاجلة للجيش اللبناني وللقوات الأمنية.

وذكرت وكالة الأنباء القطرية الرسمية أن قطر ستزوّد الجيش اللبناني بنحو سبعين طنا من المواد الغذائية شهريا، وذلك على هامش زيارة قام بها وزير الخارجية الشيخ محمد بن عبدالرحمن آل ثاني الثلاثاء إلى بيروت.

وكان قائد الجيش اللبناني العماد جوزيف عون ناشد القوى العالمية خلال اجتماع في فرنسا الشهر الماضي مساعدة الجنود الذين هوت قيمة رواتبهم مع انهيار الليرة اللبنانية وزيادة التضخم.

وكان لافتا أن السفيرة الفرنسية في لبنان قد وجهت الأربعاء انتقادا حادا لرئيس حكومة تصريف الأعمال في لبنان حسان دياب لقوله إن بلاده تتعرض لحصار.

وقالت غريو إن سوء الإدارة وخمول القيادات اللبنانية هما السبب في الانهيار الاقتصادي، وإن الانهيار سببه “الطبقة السياسية”. وأضافت “لكن المخيف يا سيادة رئيس الوزراء هو أن هذا الانهيار القاسي اليوم هو النتيجة المتعمدة لسوء الإدارة والخمول على مدى سنوات”.

وقالت السفيرة “هو ليس نتيجة لحصار خارجي، بل هو نتيجة لمسؤولياتكم أنتم جميعا في الطبقة السياسية لسنوات. هذا هو الواقع”.

ورغم ضغوط دولية تقودها فرنسا بشكل أساسي يغرق المسؤولون اللبنانيون في خلافات سياسية حادة حالت دون تشكيل حكومة خلفاً لحكومة دياب التي استقالت بعد أيام من انفجار مرفأ بيروت، فيما يشترط المجتمع الدولي تشكيل حكومة تباشر بتنفيذ إصلاحات ملحة، مقابل تقديم الدعم المالي الضروري لإخراج البلاد من دوامة الانهيار الاقتصادي.