كارثة المرفأ: مَن يريد الحقيقة؟

عبد الوهاب بدرخان – النهار

ليس واضحاً بعد ما إذا كانت الملاحقات لوزراء ونواب تشكّل خطوة حاسمة لمعرفة الحقيقة وتحديد المسؤولين عن #تفجير مرفأ بيروت، لكن يُحسب للمحقق العدلي أنه بدأها قبل شهر من الذكرى السنوية الأولى للكارثة. هي مجرّد خطوة، متأخّرة طبعاً، وناقصة أسماء أخرى، فما الذي يمنع استدعاء الجميع والاستماع إليهم بأي شكل، أليس هذا أبسط قواعد التحقيق، ألم يعِد أركان الدولة ليلة تلك الجريمة بعدم تمريرها بلا محاسبة؟ كان يجب رفع الحصانات منذ تلك اللحظة، أقلّه لإبداء شيء من الجدية.




ما أعطى قرار المحقق العدلي أهمية خاصة استياء الأمين العام لـ”حزب إيران/ حزب الله” منه، معترضاً على أن يعرف المدّعى عليهم المحصّنون من الإعلام أنهم مستدعون الى التحقيق بعد تجريدهم من حصانتهم، ليخلص الى الأسطوانة المشروخة المتكرّرة بأن ثمة “شكلاً من أشكال التوظيف السياسي الذي نرفضه”. ومع تأكيده أن “ما نسعى إليه هو العدالة والحقيقة، وحتى الساعة العدالة بعيدة والحقيقة ما زالت مخفيّة”، فإنه طالب المحقق بنشر التقرير التقني “لنعرف سبب هذه الجريمة”.

عدا أن هذا الاستياء يشي بوجود شيء ما في التحقيق ربما خفيَ على زعيم “حزب إيران”، أو خرج عن الخط المرسوم للتحقيق، فإن كلامه ليس منزّهاً عن محاولة التدخل والتهديد، خصوصاً أن المدعى عليهم لا ينتمون الى حزبه، وأن عدداً منهم لا يُعتبر من المحسوبين عليه. الأهم أن أيّاً منهم لا يمكن أن يكون قصد العنبر الرقم 12 ليرمي الشرارة التي أشعلت أطنان نيترات الأمونيوم وتسبّبت بذلك العصف الذي أودى بمئات القتلى وأصاب الآلاف ودمّر آلاف البيوت والأبنية. لكن هؤلاء يعرفون ولو بعضاً ضئيلاً أو مهمّاً من الحقيقة.

المثير في القضية أنه، على رغم وجود هذا العدد الهائل من “العارفين”، صعُب حتى الآن التحديد – “التقني” والعلني – للجهة المستوردة للنيترات والمستفيدة من تخزينه، فالجريمة بدأت فعلياً بهذا التخزين ونُفّذت تدريجاً بتناقص الكمية لتلبية حاجات نظام البراميل المتفجّرة في سوريا. بل صعُب أيضاً، ولو بالصدفة ومن دون أي تعمّد “سياسي”، أن ينبري أي مسؤول خلال سبعة أعوام لأخذ “خطورة المواد المخزّنة” بجديّة، فضلاً عن الاهتمام بتكليف الجهات المختصّة للتخلّص منها سريعاً وبأي وسيلة. كان هناك تراشق للملف، وللمسؤولية، بين المؤسسات المعنية في الدولة والرجالات القائمين عليها، لماذا؟ لا بدّ أن سبباً جوهرياً أو سرّاً مكنوناً أو مصلحة “خاصة/ عليا” أو قوة قاهرة حتّمته، ولا تزال تحتّمه.

كل سعيٍ الى الحقيقة في لبنان ممنوع، وإلّا يُعتبر “تسييساً” هدفه التعرّض لـ “حزب إيران”. حدث ذلك في جريمة اغتيال رفيق الحريري والاغتيالات التي رافقته أو تلته، ويحصل في جريمة تفجير المرفأ والاغتيالات التي تلتها وصولاً الى اغتيال لقمان سليم… إذا بقي التحقيق في قوقعة “الإهمال الوظيفي” فلن يصل الى نتيجة.