الهاوية! – رامي الرّيس – نداء الوطن

في غضون عامين، خسرت العملة الوطنيّة نحو 99 بالمئة من قيمتها، ووصلت نسب التضخم إلى مستويات غير مسبوقة، وهي مرشحة لمزيد من الصعود بالترافق مع إنهيارات أخرى في مختلف القطاعات والمجالات طالما يغيب القرار السياسي بالخروج من المأزق العميق والاتجاه نحو خطوات تدريجيّة يمكن للبنان من خلالها لجم التدهور والانطلاق نحو حقبة جديدة من ترميم الانكسارات الخطيرة التي لحقت به خلال الأعوام القليلة الماضية.

الأزمات السياسيّة تحصل في الكثير من البلدان بحيث تُقفل المنافذ والمخارج بأغلبها وتتعطل الحلول بحيث تمارس القوى السياسيّة لعبتها المفضلة بشد الحبال في ما بينها وصولاً إلى إعادة صياغة موازين قوى معيّنة تتوفر من خلالها المخارج والحلول. ولكن مع ذلك، تبقى ثمّة سقوف لا يمكن تجاوزها، ومؤسسات دستوريّة لا يمكن إغفال دورها، وأخلاقيّات لا يمكن رميها في سلة المهملات.




في لبنان، لا سقوف ولا مؤسسات ولا أخلاق! من المصطلحات التي إشتهرت في إطار الحياة السياسيّة والاعلاميّة اللبنانيّة، “اللعب على حافة الهاوية”. لطالما إزدهر هذا المصطلح في حقباتٍ معيّنة لا سيّما عندما تتعقد المشاكل السياسيّة والاقتصاديّة والاجتماعيّة واستعمل لوصف أداء بعض القوى اللبنانيّة التي لا تجيد العمل السياسي إلا وفق مصالحها الفئويّة الخاصة من دون أي إعتبار فعلي للمصلحة الوطنيّة العليا التي قد تختلف التوصيفات حيالها لكن يبقى ثمة مشتركات لا يمكن التغاضي عنها.

ما يحصل اليوم هو اللعب في عمق الهاوية التي سقط فيها لبنان ولن يكون خروجه منها سهلاً أو متاحاً ما لم يحصل تبدّل نوعي وجوهري في أداء الأطراف القابضة على السلطة والتي تملك ناصية القرار وتستطيع أن تضغط في إتجاه إخراج الأزمة من عنق الزجاجة. لقد فضحت ضراوة الأزمة الإقتصاديّة والاجتماعيّة والمعيشيّة حسابات الأطراف المعنيّة وأسقطت كل الأقنعة.

لم يعد هناك من يكترث للعناوين البراقة والفضفاضة التي يطلقها البعض والتي تعود إلى زمن غابر وتعكس الكثير من السطحيّة (أو عدم الاكتراث) لعمق الوجع عند الناس. هل فعلاً يعتبر البعض أن قضيّة الصلاحيّات هي أولويّة المواطن الذي ينتظر في طابور طويل قبل الوصول إلى محطة الوقود؟ هل هي فعلاً أولويّة لدى المواطن الذي صار دخله الشهري لا يكفي قوته الأسبوعي؟ هل هي فعلاً أولويّة لدى المريض الذي لم يعد يجد الدواء ليداوي وجعه؟ هل هي فعلاً الوسيلة المناسبة لطمأنة الجيل الجديد إلى مستقبله وإلى مستقبل أولاده من بعده؟

كيف لا يخجلون؟ كيف ينامون على أسرتهم الوثيرة؟ كيف يمارسون حياتهم اليوميّة في الوقت الذي يعرفون أن بإمكانهم تغيير الوضع القائم من خلال التفاهم على تسوية مقبولة بالحد الأدنى تضع حداً للانهيار وأسساً للخروج من الأزمة؟

من هنا، قبل الحديث عن حكومة إنتخابات، لا بد من بقاء الحد الأدنى من هيكليّة الدولة القادرة على تنظيم وإجراء الانتخابات. مع التدهور اليومي للمقومات الأساسيّة واللوجستيّة للدولة، ومع تراجع هيبتها بشكل دراماتيكي، حتى إجراء الانتخابات قد يكون صعباً على كل المستويات! في نهاية المطاف، الانتخابات إستحقاق ديموقراطي مركزي وهام وضروري لإحداث التغيير المطلوب وإنعاش الحياة السياسيّة والإنطلاق نحو حقبة جديدة مختلفة نوعيّاً عن المرحلة السابقة؛ ولكن كل ذلك لن يكون متاحاً في ظل الانهيارات اليوميّة التي تشهدها البلاد.

من هنا، الانصراف الفوري لتشكيل الحكومة الجديدة هو المدخل الصحيح لتحقيق الحد الأدنى المطلوب وتنفيس الاحتقان العميق الذي يصيب كل شرائح المجتمع اللبناني التي صارت بمعظمها من الطبقات الفقيرة والاعداد الجيّد للانتخابات النيابيّة في الربيع المقبل.