السعودية تشرح لبلينكن ولودريان رفضها مساعدة لبنان

سركيس نعوم – النهار

لا يستطيع أحد أن يلوم ال#لبنانيين إذا استمروا في تصديق ما يقوله لهم كبار سياسييهم والصغار وإعلامهم نقلاً عن هؤلاء أو عن “مصادر ومتابعين وقريبين” من قادة الطوائف والمذاهب والأحزاب في بلادهم، أو من سفارات الدول الفاعلة في لبنان عربيةً وأجنبية والأخرى المبعدة أو المستبعدة لأسباب متنوّعة داخلية وخارجية، أو من مرجعياتهم الدينية المتنوّعة التي تساوت كلها في امتلاك السلطتين السياسية والدينية بعدما كان بعضها أُجبر على التخلي عن ذلك منذ قرون لعدم انسجامه وتعاليم دينهم وبعد عجز العالم كلّه على الأقل حتى الآن عن إقناع بعضها الآخر بالتخلّي عن تلازم السلطتين الروحية الدينية والسياسية، إذ أن تلك هي إرادة الله في كتابه العزيز. لكن عليهم أي هؤلاء اللبنانيين أن يدقّقوا في ما يسمعون ويُنقل إليهم لا سيما بعد الخيبات التي أوقعوا فيها، والتي أوصلتهم الى قعر القعر أو قريباً منه والى انهيار الدولة والمؤسسات وتكرّس انقسام الشعب شعوباً، والى انتظار أن يقرّر الخارج مصيرهم ومصير بلادهم ودولتهم من دون أن يأخذ في الاعتبار مصالحهم.




الدافع الى هذا الكلام اليوم أمورٌ عدّة حصلت أخيراً أبرزها السياسيين والمصادر والمتابعين مواطنيهم اللبنانيين بأن الخارج العربي والغربي والدولي الذي تخلّى عن لبنان عاد الى الاهتمام به. من شأن ذلك جعل ال#مساعدات المالية تدفّق عليهم “مثل الشتي” كما يُقال سواء من أشقائهم العرب الأثرياء بفعل النفط أولاً ثم الغاز وتالياً انتشالهم من حال الفقر والإفلاس والإنحطاط التي أوصلتهم إليها طبقة سياسية قديمة معمِّرة جدّدها ورثتها ثم من ارتفع الى مرتبتهم في أثناء حروب 1975 – 1990 من أمراء حرب وقادة ميليشيات عسكرية طائفية مذهبية متناحرة، فشكّلوا مع الأثرياء الجدد أي أصحاب الثروات التي جمعوها من عرق الناس ودمائهم طبقة سياسية جديدة شاملة أو بالأحرى منظومة “لا تُحرق ولا تُغرق”، وبعد نجاحها في ربط اللبنانيين بمصالحهم وفي إقناعهم بأنهم حماة الديار والطوائف والمذاهب. علماً أنهم حموا ولا يزالون يحمون فقط مصالحهم ومواقعهم وثرواتهم بفضل الشعوب التي خدَّروها وغشّوها و”حلبوها” ونهبوها وأوهموها أنهم يحمون وجودها المتنوّع ويعملون لسعادتها في “الدنيا الحالية” ولاحقاً في دنيا الحق.

كي لا يبقى الكلام عاماً وتلافياً لإشتراك “الموقف هذا النهار” مع الآخرين من أقربين وأبعدين في غشّ الناس عن قصد حيناً وعن جهل حيناً آخر وعن تعصّب طائفي ومذهبي لا علاقة له بالإيمان وبالأديان حيناً ثالثاً يعطي كاتبه دليلين أو ثلاثة على ما يقول. الدليل الأول يمكن استنتاجه من محادثة جرت بين سياسييْن مختلفيْن في الدين وفي السياسة وفي الإلتزام المتجذّر بالشعارات السياسية المرفوعة من دون أيّ تدقيق فيها. قال أحدهما للآخر: “لا نستطيع أن نُكمل في تطبيق الدعم بالطريقة الحالية. ذلك انه سيستنزف الإحتياط الإلزامي المؤلّف من أموال المودعين والموجود لدى مصرف لبنان والبالغ حجمه الآن نحو 14 مليار دولار أميركي وربما يُنهيه. كما أنه سيستنزف لاحقاً الـ900 مليون دولار أميركي التي يستطيع لبنان أن يستعيدها من “صندوق النقد الدولي” وهي موضوعة فيه من زمان بوصفها نوعاً من “التأمين” على… يعني ذلك أنها لن تُصرف على تنفيذ إصلاح اقتصادي – مالي – سياسي – إداري – تربوي – كهربائي… وهو ما يحتاج إليه لبنان بل ستوزّع بمعظمها بموجب بطاقات على “الأشدّ فقراً وحاجةً” من اللبنانيين في الظروف الصعبة الراهنة. علماً أن الإصلاح وحده يمكّنهم من العودة الى حال الإكتفاء وحتى البحبوحة السابقة. علماً أن التوزيع للبطاقات لن يكون عادلاً إذ أن أبرز معاييره سيكون الإنتماء الطائفي المذهبي والولاء السياسي وستتحكّم فيه الجهات المتحكّمة بالبلاد حالياً مع جهات متحالفة معها داخل شعوب لبنانية أخرى. يُعتبر ذلك ولبنان يقترب من إنتخابات نيابية بعد نحو نيّف وعشرة أشهر رشوة إنتخابية. إذ أن البعض سيسمّيها بطاقة إنتخابية لا بطاقة تمويلية. علماً أن الرشوة الإنتخابية صارت قاعدة في “لبنان الجديد” وإن أصبح قديماً وهرِماً جداً الآن، في حين أنها في لبنان القديم الذي قامت الحرب لتحسينه بل تغييره وذلك كان مبرّراً ربما لم تكن قاعدة ثابتة وعامّة مثلما هي اليوم. المفاجئ في حديث زميلين في مجلس كان جواب أحدهما المُلتزم سياسياً ودينياً وهو الآتي: يجب أن تعرف يا زميلي أن وقف الدعم في لبنان غير ممكن مهما صار وأياً تكن ضغوطات الداخل والعالم الخارجي على تنوّعه. وقف الدعم يعني بصراحة إنهيار النظام السوري. وللدعم سببان مهمّان الأول مساعدة الفقراء اللبنانيين من قدامى وجُدد والثاني إيقاف النظام المذكور على قدميه”.

الدليل الثاني يُمكن إستنتاجه أولاً من “الطنطنة” الإعلامية وبعدها السياسية للزيارة المفاجئة التي قيل أن وزير خارجية قطر سيقوم بها الى لبنان أمس. إذ اعتبر كثيرون ذلك مؤشراً الى قرب أو على الأقل الى احتمال استئناف هذه الدولة الشقيقة سخاءها المالي وربما حركتها السياسية لإنقاذه. والحقيقة أنه جاء لتقديم التعازي بالشيخة هند الزهراء وهي مواطنة من العائلة القطرية الكريمة الحاكمة. أما زيارة هذا الوزير مسؤولين لبنانيين كبار فبروتوكولية وطبعاً يمكن خلالها الإطلاع من قرب على أوضاع لبنان.

أما الدليل الثالث فهو الإجتماع الذي عقده وزيرا خارجية أميركا وفرنسا أنطوني بلينكن وإيف لودريان ووزير الخارجية السعودي الأمير … فرحان الأسبوع الماضي. إذ اعتبره اللبنانيون والإعلاميون والسياسيون والمزمّرون والمطبّلون من كل الطوائف والمذاهب دليل عودة إهتمام #السعودية بلبنان وحتى بزعيم “تيار المستقبل” السنّي سعد الحريري. كما دليل إستعداد أميركا بايدن للإنخراط جدّياً مع فرنسا ماكرون في مساعدة لبنان لمنع “إنتهائه”، وذلك بعدما أصاب الثانية اليأس من الطبقة أو المنظومة السياسية اللبنانية. الحقيقة كما تُفيد معلومات جهة سياسية واسعة الاطلاع خارجياً تشير الى أن الوزير السعودي لم يكن مدعواً أساساً الى الإجتماع، والى أن بلينكن ولودريان اتفقا على دعوته إليه والى أن الأول اتصل به طالباً منه أو مقترحاً عليه الحضور. كان ذلك إشارة الى نية عندهما بالمساهمة مع دولته أي السعودية في مساعدة لبنان. لبّى الوزير الأمير السعودي الدعوة. دخل الإجتماع وفي يده ملف “حرزان” نوعاً وإن ليس بالضرورة حجماً.

وعندما وصل البحث الى لبنان فتحه وقال لزميله: “سأُريكما كم دفعنا حتى الآن من مبالغ مالية كبيرة لمساعدة لبنان على الأقل منذ أيام الملك الراحل فهد بن عبد العزيز. لقد دفعنا عشرات مليارات الدولارات وقد ذهبت بغالبيتها الساحقة الى الفاسدين والمفسدين في لبنان الذين أفسحوا في المجال أمام سيطرة “#حزب الله” عليه. فهل تطلبون منا الآن أن نعاود الدفع والحال في لبنان لا تزال كما هي ولا يزال الحزب ممسكاً بلبنان لا بل محكماً قبضته عليه؟”. ردّ بلينكن قائلاً مع الوزير السعودي كل الحق في إقفال هذا الملف اللبناني”. طبعاً غادر الوزير السعودي فرحان عائداً الى بلاده. وعاد شعور اليأس من الطبقة السياسية اللبنانية الى لودريان وربما يكون انتقل الى بلينكن. لكن اللبنانيين إعلاماً وسياسيين وطوائف ومذاهب وأحزاب متناحرة استمروا في الإعلان عن عودة الإهتمام الكبير الدولي – السعودي بلبنان.