سمير عطا الله

عيش السرايا – سمير عطالله – النهار

عندما نتحدث عن بناء الوطن، فذلك ليس من باب الشعارات الفارغة من المضمون، فبناء الوطن أول ما يكون باحترام الدستور والميثاق والقوانين والمشاركة المضمونة والمتوازنة لكافة الطوائف دون كيدية أو عزل أو قهر”
الجنرال عون
17/10/2016

جاءت ليلى النعماني من بيروت الى جدّة العام 1958 عروساً للشاب السعودي علي رضا. كانت خريجة كلية بيروت للبنات، ومن عائلة مسلمة حريصة على العلم، نساءً ورجالاً. تركت خلفها مدينة مُنارة بأضواء الشرق لتجد في المدينة السعودية الثانية بلدة صغيرة معتمة وبلا طرقات وبيوتها من طوب، ميناؤها مليء بالشُّعب المرجانية، لا تُبحر فيه ولا ترسو سوى السفن الصغيرة، بإدارة رجل واحد هو “الكابتن”.




أصدرت ليلى النعماني عن تجربة السنوات الأولى في جدّة كتاباً ممتعاً (دار الانتشار) بعنوان “جدّة الزمن الجميل”، مليئاً بالصور والذكريات والحنين الى ايام كانت مدينتها الجديدة تدخل الزمان الجديد: بضع سيارات كاديلاك، حمراء، ولا هواتف ولا بريد، إلا ما حمله القادمون من عند الأهل باليد.

قرأتُ “جدّة التي أحببتها” وأنا أتذكّر جدة التي عرفتها العام 1965. كان قد صار فيها آنذاك، فندق واحد من ثلاث أو أربع نجوم، وقد جاءها جمال عبد الناصر يوقّع اتفاق اليمن، وتدافع الصحافيون من كل مكان، واللبنانيون منّا كانوا سليم نصار وفؤاد مطر ومحبّركم المخلص، والراحل فريد أبو شهلا.

لم تكن رحلة عبد الناصر على متن “المحروسة” الى ميناء جدّة، سهلة أو ممتعة. فالزعيم العربي كان قادماً لتوقيع تسوية مع الملك فيصل ليس فيها نصر لأحد. غير ان الشعور السائد في العالم العربي، كان مدركاً مدى الخسارة التي تكبدتها مصر في المغامرة عبر جبال اليمن.

كنتُ بين الصحافيين الذين كدَّهم العرق ورطوبة الميناء. وقد عدوتُ لأبعث رسالتي بالهاتف غير مدرك ان الاناقة البيروتية، غير اللازمة، سوف تتحول ملحاً سريعاً لا يطاق.

بالنسبة الى ميناء بيروت، كان ميناء جدة ما يزال شيئاً بدائياً. وكانت عائلة علي رضا تملك يختاً من ستة أمتار يقوده الزوج. واليوم أنا قادم من بيروت، التي فَجّر ميناءها مزيجٌ من اللؤم والجهل والغطرسة. وقد اصبحت مساحة ميناء جدّة مليون متر مربع، والمدينة نفسها جادات جادات ومبانٍ شاهقة واقتصاد عالمي، والمبنى الذي يضم القنصلية اللبنانية العامة، في حجم “قصر بسترس” الذي نرفز أحد شاغليه من تصرفات “البدو”.

لا نريد ان نمضي هذا العمر في المقارنة بين ما حققه البدو في صحاريهم وموانئهم، وبين ما فعله المتحضرون ببلدنا الذي كان، ذات دهر، بلدهم ايضاً. أو كنا نعتقد.

لو كان يعنيهم الأمر، لما تركوا الاونيسكو تُعلن ان ثلث اطفال لبنان ينامون على بطون خاوية، و70% على بطون شبه خاوية، و98% على قلوب حجرية تقدم لشعبها فرصة واحدة وأملاً واحداً: أي نوع من الهجرة الى بلاد البدو. أو بلاد القطب. ولا يهم ايهما. فأي جليد فيه دفء اكثر من هذا البياض الأبلق.

دعونا ننتهي من المهمة العاجلة اولاً: كيف ندرّب اميركا وبريطانيا على العمل من دون موازنة؟ وكيف “نتمرقع” على اهم شبكة تلفزيونية في العالم، في اهم منتدى اقتصادي في العالم؟ وكيف نعود من دافوس مظفرين لنكتشف ان بلد المصارف المغلقة والودائع المنهوبة، اعاد انتخاب سليم صفير رئيساً للجمعية؟
ارجو سماحكم. أنا لم احمّل يوماً المسؤولية لأحد. وأنا من الذين يقولون، هذا بلدكم وهذا شعبكم وهذا انتم. كفّوا عن التجليط. لا تستطيع أن تصنع جنوب افريقيا من دون مانديلا. ولا فرنسا من دون ديغول. وفي الامكان ان تصنع هتلر من كل ثلاثة فارغين مستكبرين.

مَن كان منّا يتخيل انه سوف يقرأ ارقام الاونيسكو في لبنان؟ من كان يتخيل ان الحبشيات سوف يعدن الى بلدانهن رأفة بنا وتضامناً مع حال اللبنانيات، في بلد اعتاد مرأى التماسيح لا تذرف حتى الدمع الكاذب الذي تذرفه فرحاً وهي تقضم ضحيتها. أنا آسف. نحن جماعة اعتدنا ان نظلم أنفسنا ونعزف للمسؤولية. نملك خيارنا لكننا لا نملك صوابنا. نكرر الخيار ونكرر فداحة الخطأ. جماعة هاربة باستمرار من نتائج خيارها وراكضة ابداً خلف الخيار نفسه. نحن مجموعة وقحاء حيث تقتضي قوانين السترة أن نصمت وأن نستحي، وأن نفكر مرة بعقولنا، وأن نكفَّ عن التصفيق، مرة بأيدينا ومرة بأقدامنا ودائماً في هستيريا انتحارية.

ليسوا مسؤولين. لا الغرباء ولا الأجانب ولا الاستعمار. وذلّ النفس القائم دائماً أعمق بكثير من ذلّ البنزين.

فالوصول الى ذلّ المحطات، مجرد مسيرة طبيعية لوزراء فاطمة غول. ولطالما حذّرنا السيدات والسادة من أن الغول من أمامكم والطاقة من ورائكم. ومن ورائكم كل ما هو بشر وأونيسكو واحصاءات ومذلّات.

القاعدة المنطقية لا تخطىء: الرئيس الأقوى في طائفته، اقوى في كل مكان. وأقوى في كل زمان. بهذه القوة الكونية تم تطبيق منطق قوة #حسان دياب و97% – باقي باليد ثلاثة. وهذه (الثلاثة) تركناها لإلهامات وملهمي وزارة الخارجية: دائرة خاصة لإصلاح ما أفسده الوزير الأصيل، تُعرف بدائرة اللقلوق. أوالبدو. أو ديبلوماسية الهدوء والتأني التي بدأت يوم حشرت حكومة كاملة في ايدي 3 جنرالات لا يريدون شيئاً لأنفسهم سوى اعادة الشرعية الى الأبد.

اللبنانيون جماعة تنكّل في صبر الناس وتحيل كرامتهم على الطرقات وتوسع للإنهيار الاخلاقي كي يكون شاملاً. التفاهة ليست في المتبوعين، بل في التبعية العمياء، في نشوة التزلّم، في فقدان العقل والأخلاق والمشاعر، في ان الجماعة الملوثة الوعي، تتحدث عن الانهيار والنهايات وانعدام الضمير وكأنها في الكونغو الصديق. يجتمع العالم في باريس وواشنطن وأحزان روما، ولبنان يباهي بأنه استطاع تطبيق القانون، مرة بكبر الخوف ومرة بكسر الابواب.

عالم غير سويّ، البابا ومعه البطاركة وخلفه ألفا عام من كنيسة بطرس، تحاول ان تسرق مشهد المسيحية وحقوقها وأمجادها من قلاية “طريق القديسين”. إنهم “بلا ضمائر” قال البابا عن حكام الزاوية المشرقية وملحقاتها في بلدان الاقليات.

نبحث عن الحل والحل في ربوعنا: يعدّل الدستور بحيث يُسحب التكليف البرلماني من سعد الحريري. يعدل الميثاق بحيث يضاف مجلس الدفاع الأعلى الى السيدة عكر باعتبارها الأقوى في طائفتها، وتحوّل اليه صلاحيات #الحكومة ومجالس الميثاق. يتم دمج وزارة الزراعة بالخارجية وتناطان بالسيدة عكر. يعلن لبنان حلّ نفسه ويُمنع سعد الحريري من دخول البلاد. ويُعلن ذلك يوماً وطنياً وعطلة عن جميع الاشغال، وتُرفع صور بهاء الحريري على مداخل البرازيل. تقدَّم التهاني والقرشلّي وزنود الست والمفتقة الى المهنئين. ويُكلَّف وزير البلاط تصحيح ارقام الاونيسكوعن مجاعة الاطفال. ويرسَل الى الرئيس دياب طبق خاص من عيش السرايا.