غسان الحجار - النهار

“في قلب لبنان شيء عفن” – غسان حجار – النهار

في النظرة الاميركية لمفهوم “#الفوضى الخلاقة”، وعلى رغم التناقض في المعنى، ما بين الفوضى والخلق، اي ما بين السلبية التي تعنيها الفوضى، والايجابية المرتبطة بالخلق، عملت الادارة الاميركية على تشجيع “الثورات” في العالم العربي، بهدف ايجابي معلن هو تغيير الانظمة، او دفعها الى التغيير من داخلها، لتحسين ظروف معيشة مواطنيها. لكن الذي حصل، بقصد او من دون قصد، ان الفوضى سادت في كل الانحاء، وألحقت تدميراً وقتلاً وتهجيراً وتشريداً، من دون استتباعها بالخلق الجديد، فلم تنشأ الانظمة الديموقراطية، بل تبدلت وجوه، وانقلبت وجوه على اخرى تشبهها، ولا تقل عنها شأناً في الديكتاتورية، ودخل العالم العربي في تراجع انحداري سريع.

يعيش لبنان منذ زمن، وحالياً، هذه المرحلة التي لا تخدم سوى الخصوم والاعداء، وليست المؤامرة عليه اميركية، او غربية، بل غالبها من الاشقاء، ومن صنع الداخل، وفق ما عبّر امس القائم بالاعمال البريطاني مارتن لونغدن في رسالة الى اللبنانيين دوّن فيها انطباعاته قبل مغادرة لبنان. ومما قال: في قلب لبنان شيء عفن. ففشل سَوق أيّ كان للمحاسبة وتحميله تبعة الانفجار الكارثي للمرفأ الصيف الماضي، هو أكثر الأمثلة الدراماتيكية للدناءة وعدم المسؤولية التي تتميز بها الكثير من الحياة اللبنانية. مؤسسات الدولة في حال خراب، والمصالح الخاصة محميّة وميليشيا “حزب الله” تعمل بحرية من دون حسيب إلا نفسها. والنتيجة؟ تزداد النخبة غنى في حين يدفع الشعب الخسارة عند كل منعطف”.




وتابع “أنفق القادة اللبنانيون موارده بغير مبالاة وبما يفوق قدرته على التحمل. ولبنان اليوم على شفير الإفلاس. لقد صبت النخبة السياسية تركيزها على تقسيم قالب الحلوى ولم تأخذ في الاعتبار يوماً أن تخبز بدلاً منه قالبا أكبر”.

طبعاً لن يؤثر هذا الكلام، الخالي من كل ديبلوماسية، في الطبقة السياسية اللبنانية التي اقفلت اذانها، وفتحت خزائنها، منذ زمن بعيد، فقضت على المؤسسات، وابتلعت الدولة، حتى بلغت حد الانهيار، وخطر الزوال كما قال وزير الخارجية الفرنسي جان ايف لودريان.

الحركة اللبنانية اليوم تنصب في الاتجاه التدميري نفسه. او لنقل في الاتجاه الخاطىء حداً ادنى. تتركز الحملات على “جهنم” رئيس الجمهورية، كأن نهاية الرئيس #ميشال عون (ومعه صهره #جبران باسيل) هي المدخل الى الحل في بلد نخره الفساد منذ قيام الجمهورية، وتطورت تلك الحالة بعد انتهاء الحرب حين نخرت الميليشيات المؤسسات وامسكت السلطة، ولم يكن عون انذاك في السلطة. لم تعمل تلك القوى على مشروع الدولة. انتهى عهد ميشال عون قبل انقضائه، وسقطت تلك الهالة، وفشل المشروع التغييري الاصلاحي، وقضى على حلم جبران باسيل الرئاسي. ولكن ماذا بعد؟ هل يصلح الوضع من بعده ؟ ليس الامر اكيداً.

هل الحل بحكومة اياً يكن شكلها؟ واي حكومة قادرة على الاصلاح لتتمكن من التعامل مع المجتمع الدولي بشفافية؟. في لبنان تواطؤ بين كل المكونات السياسية والامنية والاقتصادية المالية، وقد ظهرت الحماية للمصارف في الفترة الاخيرة. في لبنان تصح المقولة الشعبية “حاميها حراميها”، فقد دخلت السياسة في مفاصل الادارة والقضاء والامن. ما يجري حالياً هو إعادة تركيب للسلطة او اعادة تقاسم السلطة والمحاصصة قبل الانتخابات المقبلة، وربما تقتضي المرحلة الجديدة التضحية بفريق او بزعيم، وهو ربما ما نشاهد فصوله. “في قلب لبنان شيء عفن” يستمر ولا ينتهي.