لبنان مسرح فوضى جنائية لا سياسية حتى الآن على الأقل

سركيس نعوم – النهار

توقّعت جهات سياسية وأخرى إعلامية وقوع #لبنان في #فوضى سياسية واقتصادية ونقدية وأمنية منذ ثورة 17 تشرين الأول 2019، ولا سيما بعدما كانت أولى نتائجها السياسية المدوية تقديم الرئيس سعد الحريري استقالة حكومته رغم وضعها بعد مشاورات وجلسات عدّة مشروعات “إصلاحية” لم تقنع الثوار في الشوارع، ورغم أنه وقبل الاستقالة بوقت معقول واجه الإعلاميين مباشرة بتلاوة ورقة تضمنت الإصلاحات. كوّن ذلك عند اللبنانيين في الشوارع والمدن والبلدات الثائرة انطباعاً من اثنين. الأول أن الحريري شعر في أثناء مناقشة “الاصلاحات” في مجلس الوزراء أن النية لتنفيذها غير موجودة أو بالأحرى غير صادقة. الثاني أنها لن تكون مقنعة للثوار ولن تخرجهم من الشوارع، وأن مصلحته تقتضي الإنضمام إليهم أو بالأحرى التقرّب منهم بالإدعاء أنه مناصرٌ دائم للإصلاح، ولا سيما بعد الرفض الشمولي لكل الطبقة السياسية وبعد إجرائه حسابات أظهرت له أنه في تموضعه السياسي – الحكومي في حينه لم يكن في “صحنه” إذا جاز التعبير. لذا فإن الأفضل له مغادرة المركب قبل غرقه وتذكير الناس أنه ليس من جماعة “كلن يعني كلن”.




وقد صحّت التوقعات المذكورة أعلاه الى حد كبير وخصوصاً بعد اختلط حابل إنهيار العملة الوطنية بنابل مصادرة إيداعات اللبنانيين في المصارف، كما بعدما تفرّقت “الثورة” المجيدة وصارت ثورات ذات خلفيات طائفية ومذهبية وحزبية وعشائرية ومناطقية وشكّل ذلك خطراً ليس فقط في العاصمة الثانية للبنان وفيحاء الشمال، بل كاد أن يحوّل التظاهرات الشعبية ذات المطالب المحقّة الى شغب ضد الناس وضد الجيش والقوى الأمنية الى إيقاظ الفتن والعداوات والثارات المعروفة. وعاد قطع الطرق الى البلاد بسبب فقدان وقود السيارات ووقود كهرباء المولدات المحميين أصحابها من الطبقة السياسية المشاركة لهم من زمان كما بسبب غياب شركة كهرباء لبنان عن القيام بواجبها جرّاء شح المازوت والفيول والوقود و… والطمع والفساد. من شأن ذلك في يوم ما التسبّب باشتباكات من نوع آخر عمل الكثيرون لتلافيها منذ أن اعتبر ثوار 17 تشرين أن قطع الطرق هو حالة ثورية متقدمة، وبدأت الاشتباكات الفردية تنطلق من محطات البنزين جرّاء التسابق على تعبئة خزانات السيارات كما جرّاء التسابق بين تجار الغالونات وأصحاب السيارات على البنزين. الى ذلك كله كشف الفاسدون عن أنفسهم وأدى ذلك الى كشف من يغطيهم من الطبقة السياسية المزمنة بل المشرّشة، وذلك عبر افتضاح أمر تهريب كل شيء الى سوريا من الوقود على أنواعه الى العملة الأميركية الخضراء الى الأدوية المدعومة بأموال اللبنانيين وأخيراً الى الأغذية المدعومة بها أيضاً. تسبّب ذلك طبعاً بإفلاسات وبزيادة عدد العاطلين عن العمل وبتعطّل الدولة عن القيام بمهماتها وبإشتباكات محلية يمكن أن تتطوّر سريعاً بحيث تعيد صور الحروب الأهلية البغيضة التي عاشها لبنان في منتصف سبعينات القرن الماضي الى آخر ثمانيناته.

هل يمكن أن يشعل ذلك حرباً أهلية جديدة؟ يستبعد ذلك المتابعون اللبنانيون من قرب لحركة “حزب الله” وجهات سياسية لبنانية عدّة. إذ أن ما يحصل على الصعد المذكورة أعلاه يبقى أمراً جنائياً حتى ولو كانت نتيجته القتل. وهو لم يتحوّل بعد اضطراباً سياسياً طائفياً مذهبياً كالعادة لأن أحداً من الأطراف اللبنانيين لا يبدو راغباً في ذلك. ويتساوى في هذا الموقف الذين يمتلكون الكثير من القوّة والسلاح والمال والخبرة وهم فريق واحد ما يمكّنهم من خوض حرب سياسية بأدوات عسكرية، والذين لا يمتلكون ذلك ويرفضون في الوقت نفسه السلاح أي سلاح والاحتكام إليه. فضلاً عن أن الجيش اللبناني بقيادة العماد جوزف عون اتخذ الترتيبات الضرورية القادرة على منع تطوّر أي اشتباك أو خلاف أو مضاعفات جرمية من عمل جنائي الى منازلة سياسية – طائفية – مذهبية. وهو ينفّذها بنجاح رغم معاناته المماثلة لمعاناة اللبنانيين بسبب ما تعرّضوا له من انتهاك حقوق وسرقة مدخرات وفقدان الأغذية والأدوية وكل شيء تقريباً في البلاد على أيدي شركاء الطبقة السياسية في كل المجالات. في هذا المجال نجح العماد عون في الاحتفاظ بتعاطف المجتمع الدولي والعربي معه في محنته ومساعدته على تجاوزها. طبعاً اللبنانيون بارعون في تسييس كل شيء وإن على حساب مصلحة بلادهم. هكذا يفعل بعضهم بالجيش إذ يصوّرون قائده ساعياً الى الرئاسة بمعاونة بل بتشجيع دول أجنبية غربية وعربية عدّة في مقدّمها أميركا وفرنسا والخليج العربي ومصر. ولا يكتفون بذلك بل ينقلون هذا “الواقع” الى رئاسة الدولة الحاسم من يشغلُها موقفه الرئاسي بتأييده صهره النائب جبران باسيل حصرياً لها، وينقلون إليها “خبريات” عن تواصل استشاري إعلامي مع المؤسسة العسكرية لتأكيد ما يقولون. علماً أن تواصلاً كهذا ضروري ومشروع في وقت يحتاج الجيش الى تعاون كل القطاعات الشقيقة معه للإستمرار حياً وتالياً قادراً على حماية البلاد. في أي حال يؤكد المتابعون من قرب “حزب الله” أن حرباً عسكرياً في الداخل لن تقع ليس للأسباب التقليدية المعروفة فقط بل لأن الوضع الإقليمي الذي كان يبدأ الحروب في لبنان أفضل الآن في رأيهم. إذ هناك تفاوض إيراني – أميركي وهو سيصل الى اتفاق. كما أن هيكل دولة سوريا لم يقع رغم حربها الطويلة والمدمّرة وخسارتها مناطق مهمة ونزوح ملايين عدّة من أبنائها الى الخارج، وعندما “انتصر” الأسد بالحرب وإن غير المنتهية كلياً بمساعدة روسيا وإيران. فضلاً عن أن دول أوروبا تسعى جدياً لمساعدة لبنان والجيش والشعب وليس الدولة لأنها معطّلة وعاطلة وغائبة عن الوعي.