الياس خوري - القدس العربي

الهزيع الأخير من الكارثة – الياس خوري – القدس العربي

عندما تُسأل عن الواقع اللبناني تجد نفسك حائراً، الجواب السهل هو أن نقول ما نقوله كل يوم، فنشتم ونتأفف ونحزن ونروي عن أيام تشرين الجميلة، ثم نسكت.

كيف تفهم ماذا يجري؟




كيف تفسر انتخابات مجلس مندوبي نقابة المهندسين، حين تحالف كل الأعداء الذين يملأون الفضاء اتهامات ضد بعضهم البعض، ويعرقلون تشكيل حكومة تافهة على صورتهم، وإذا بهم يتحالفون جميعاً ضد انتفاضة تشرين ولوائحها، ويتناسون خلافاتهم بهدف سحق من قرر الخروج على القطعان الطائفية التي يتسيّد عليها اللصوص والأوغاد.

كيف تشرح أن الاستعصاء السياسي الذي منع تشكيل حكومة وأوصل البلاد إلى فراغ الكارثة، تراجع فجأة ليعلن تشكيل حلف الأعداء من كل أحزاب السلطة المتناحرة على السلطة، الذي خاض المعركة الانتخابية ضد مجموعات مهندسي 17 تشرين؟

هل هذا يعني أن هناك توزيع أدوار في مؤامرة خفية حاكت خيوطها الأوليغارشية اللبنانية المنحطة، من أجل أن تواصل تحكمها؟

ولكن ماذا سيحكمون لو حكموا؟

لم يبق من الحكم سوى الإدارة المافيوية للمصارف التي تتلاعب بأموال المودعين، وتقوم بتدمير ما تبقى من مقومات الدولة

أما الزعماء السياسيون، فهم شريك مضارب لجمعية المصارف في المنهبة اللبنانية الكبرى

لم يبق من الحكم سوى الإدارة المافيوية للمصارف، التي يقودها الحاكم الشمعي الوجه، والتي تتلاعب بأموال المودعين، وتقوم بتدمير ما تبقى من مقومات الدولة. أما الزعماء السياسيون، فهم شريك مضارب لجمعية المصارف في المنهبة اللبنانية الكبرى.

الغريب أنهم يتكلمون عن حقوق الطوائف ومصالحها بعدما سرقوا كل شيء، ويعتقدون أن الشعب اللبناني ساذج وسيتابع تصديقهم، وهو يقف ذليلاً أمام محطات البنزين والسوبرماركت والصيدليات.

في نقابة المهندسين سقطت لوائح النظام المتعدد الرؤوس، وتبهدلت. ولم يكن الأمر مفاجئاً، فلقد خسر زعماء التفليسة الطائفية اللبنانية جميع النخب، ولم يبق معهم سوى بعض المنتفعين والطامحين والانتهازيين.

هذا السقوط لا يعني أن النظام سقط، بل يعني أنه فقد لغته. لم تعد حكايات الأعجوبة اللبنانية تعني شيئاً.

لم يعد هناك من يستطيع الدفاع عن نزق جبران باسيل المستند إلى عظامية الخراب العوني، أو عن تنعّج سعد الحريري، أو عن حكمة نبيه بري الخفية، أو عن عبقرية وليد جنبلاط، أو عن ابتعاد سمير جعجع عن المنظومة كي يعود إليها، أو عن حزب الله وأمينه العام الذي يوزع الدولارات على أنصاره بينما يجوع اللبنانيون.

خلص يعني خلص.

لكن نخب الطبقة الوسطى التي فقدت ثقتها بالنظام الأوليغارشي والتي تقاوم عصابات النصب والاحتيال مهددة بالانقراض والهجرة.

وهذا ما يريده زعماء العصابات الحاكمة. يتنعمون بأموالهم، ويقودون الفقراء إلى لعبة الصراعات الطائفية، محولين لبنان إلى “جنة العصابات والنهب والقتل”.

ليست مؤامرة كما يبدو للوهلة الأولى، فالعصابات الحاكمة لا تملك الذكاء أو القدرة على إدارة تفليسة كبرى تسببت بها. يتخبطون ويخابطون، ويعجب أحد كبار مقاولي المنهبة من الاعتداء على أحد المطاعم، فيقرر أن يعاقبنا باللحاق بأمواله التي هرّبها إلى الخارج!

حكاية لبنان الكبرى تُكتب اليوم، وهي ليست حكاية المنهبة التي لا سابق لها في تاريخ الدول فقط، بل هي أيضاً حكاية العجز عن إسقاط هذا النظام التافه وملاحقة الأوغاد الذين يتحكمون به.

هنا يكمن السرّ.

العبقرية اللبنانية التي تغنى بها الشعراء تكمن هنا. إنها عبقرية قدرة نظام الطوائف والزبائنية على البقاء فوق خراب كل شيء.

سر الاستمرار هو القطيعة بين السلطة والثقافة. في مرحلة تأسيس دولة لبنان الكبير انتجت نخب التجار توليفة ثقافية جسّدها ميشال شيحا، وتجددت هذه التوليفة مع العهد الشهابي بإصلاحاته المحدودة. وبعد الانهيار الكامل للشهابية مع هزيمة الخامس من حزيران- يونيو 1967، احتلت الطوائف السلطة بشكل مكشوف، وانهار النصاب الوطني على إيقاعات نظام الحرب الأهلية الطويلة المستمرة منذ سنة 1975.

السلطة التي احتكرتها الطوائف كانت سلطة بلا مشروع أو رؤية أو ثقافة حكم، سلطة فارغة حولت الوطن إلى ساحة للقوى الخارجية التي استقوت بها، فانتشرت الدعوات إلى التقسيم والفيدرالية، وأخضع لبنان لمسلسل من الاحتلالات الخارجية التي كانت تجد في زعماء الطوائف حلفاء لها.

بدل الدولة، تحول لبنان إلى فيدرالية طوائف عاجزة عن حكم نفسها بنفسها، فالطائفية تقسّم ولا تجمع، والحديث المتكرر عن التعايش ليس سوى غطاء مبتذل  لتقاسم النفوذ والسلطة وسرقة الثروة الوطنية.

لكن انتفاضة 17 تشرين كشفت أن الحضيض الذي وصل إليه لبنان ليس حضيض الطوائف والمافيات وحدها، بل هو غياب الثقافة البديلة

غير أن انهيار لبنان الشامل لم يبدأ إلا بعد تحريره من الاحتلال الإسرائيلي عام 2000 ومن الهيمنة السورية عام 2005.

وهنا تقع المفارقة اللبنانية، حيث سقطت الزعامات الطائفية كلها في امتحان بناء الدولة. بدل الدولة، تحول لبنان إلى فيدرالية طوائف عاجزة عن حكم نفسها بنفسها، فالطائفية تقسّم ولا تجمع، والحديث المتكرر عن التعايش ليس سوى غطاء مبتذل  لتقاسم النفوذ والسلطة وسرقة الثروة الوطنية.

لكن انتفاضة 17 تشرين كشفت أن الحضيض الذي وصل إليه لبنان ليس حضيض الطوائف والمافيات وحدها، بل هو غياب الثقافة البديلة.

منذ انهيار الحركة الوطنية وتفكك اليسار، ونحن نعيش في فراغ فكري وثقافي عميق، فبناء البديل ليس شعارات بل هو رؤية لبناء وطن.

لبنان في حاجة إلى تأسيس، إذ لم تعد لغة الماضي صالحة لمواجهة أزمة الحاضر، فلبنان يحتاج إلى لغة نهضوية جديدة، وإلى مشروع ديموقراطي علماني جذري، وإلى بناء الدولة على فكرتي الحرية والعدالة الاجتماعية.

انتهت جمهورية التجار، واندثرت دولة المصارف، وهناك سباق حقيقي بين الكارثة والتغيير.

من هنا تنبع أهمية استكمال انتصار نقابة المهندسين في انتخابات مجلس النقابة، كمؤشر إضافي إلى أن النخب الثقافية والاجتماعية والطلابية نجحت في التمرد على  نظام أمراء المافيا.

نحن في الهزيع الأخير من الكارثة، وفي هذا الهزيع تتخبط المافيا الحاكمة وتلجأ إلى كل أسلحتها، ونحن لا نملك في مواجهتها سوى سلاح الموقف والدفاع عن حقنا في الحياة، والعمل على بلورة وطن جديد يليق بآلامنا وتضحياتنا.