فارس خشان

التحقيق في انفجار مرفأ بيروت: خطّة “طمس” الحقيقة – فارس خشان – النهار العربي

مؤسفة أبعاد الحدث الذي سطّره المحقق العدلي في انفجار مرفأ بيروت طارق بيطار، حتى لو أنّه تسبّب بإدخال قليل من “السعادة” الى قلوب جميع ضحايا الطبقة الحاكمة المتورّطة بتفجير لبنان بعبوات مالية واقتصادية واجتماعية تضاف الى “حقّك رصاصة” و “سي فور” و”تي.أن.تي” ونيترات الأمونيوم.

مؤسفة أبعاد هذا الخبر، لأنّها تظهر منهجية هدر الوقت التي تعتمدها الطبقة السياسية في لبنان، فالإجراءات التي اتخذها بيطار، أوّل من أمس هي نفسها، تقريباً، تلك التي سبق أن اتخذها سلفه القاضي فادي صوّان، في مناسبتين: الاولى في ٢٤ تشرين الثاني (نوفمبر)٢٠٢٠، والثانية في ١٠ كانون الثاني (ديسمبر) ٢٠٢.




وهذا يعني ان المحقق بيطار قد خسّر، بإرادة سياسية، اللبنانيين عموماً والضحايا خصوصاً فترة تتراوح بين تسعة أشهر وسبعة أشهر، قبل أن يصل الى النقطة التي كان قد اضطر صوّان أن يتوقف عندها، بعدما جرّت عليه قراراته التي استعادها بيطار، الويل والثبور، على أيادي جميع الحاكمين في البلاد وجميع المتحكّمين بالعباد، ممّا دفع بمحكمة التمييز الجزائية في ١٨ شباط (فبراير) الأخير الى اتخاذ قرار بعزله وكف يده عن ملف تفجير مرفأ بيروت.

وخلافاً لما يقوله البعض، فإنّ بيطار لم يصحّح قرارات صوّان.
صوّان قبل ان يدّعي على رئيس حكومة تصريف الاعمال حسّان دياب وعلى نواب كانوا وزراء، وجّه كتاباً، وفق الاصول، الى مجلس النواب عارضا فيه لأسماء ١٦ شخصية رئاسية ووزارية ونيابية يزعم أنّها متورطة، وفق مفهوم القانون، بانفجار المرفأ، ولكنّ مكتب المجلس المكوّن من جميع “العائلات” السياسية الحاكمة أو الفاعلة، رفض كتاب صوّان وما تضمّنه من مطالب كانت تقتضي إمّا تولّي المجلس النيابي التحقيق، من خلال تشكيل لجنة تحقيق نيابية، بموجب “أصول المحاكمات لدى المجلس الأعلى لمحاكمة الرؤساء والوزراء”، وإمّا رفع الحصانات عمّن يعتقدون أنّهم يحتمون بها ليردوا عن أنفسهم مسؤوليات جزائية بحجم التسبب بقتل اكثر من مائتي مواطن وجرح ما يزيد عن ستة آلاف وخمسمائة آخرين، ناهيك عن الخسائر التي تسبّبت بتشريد ثلاثمائة ألف نسمة وشيّعت موجة غير مسبوقة من اليأس في نفوس المواطنين.

وكان على صوّان، أمام هذا السلوك النيابي أن يحسم أمره: إمّا يُهمل ملاحقة هؤلاء “المحصّنين” سياسياً أو يذهب قدماً في تحقيقاته باعتماده على وجهة نظر دستورية-قانونية لا تقيم أيّ حصانة على الوزراء المتورّطين بهذه النوعية من الجرائم ولا على أيّ نائب خارج الدورة العادية للمجلس النيابي، فالمحاسبة المطلوبة هنا ليست على الآراء والأفكار، إنّما على جرائم لا صلة لها بأيّ وظيفة من وظائف النائب.

وعندما اتخذ صوّان الخيار الثاني، وجد نفسه يدفع “المتورّطين المحتملين” إلى تكبيد التحقيق في ملف انفجار المرفأ أغلى الأثمان.
قبل يومين، وبعد تسعة أشهر على المسار الذي رسمه صوّان، وجد بيطار نفسه في النقطة نفسها، لأنّ هذا الملف يتحدّث عن نفسه: لقد تواطأ جميع المعنيين، في نهج واحد، ولسبب يعرفونه هم ويقف خلفه من يهابونه هم، ويخدمون مصالحه هم، على ترك كمية هائلة من أخطر أنواع نيترات الأمونيوم، من دون معالجة، حتى وقعت الكارثة التي كان حدوثها متوقعاً.

وهذا الإجراء الذي اتّخذه بيطار يستدعي الحيطة والحذر، فالطبقة السياسية-الامنية-القضائية المستهدفة به لن تستسلم هذه المرة، بعدما كانت قد شنّت أشرس هجوم، في المرة السابقة.

فعلى مستوى رئيس الحكومة حسّان دياب الذي جدّد بيطار التعاطي معه كمدّعى عليه، لم يتغيّر شيء، فالبيئة السنية التي سبق ان احتضنته ودافعت عنه، على اعتبار أن “الاستفراد به” هو استفراد بمقام رئاسة مجلس الوزراء، لن تتخلّى عنه، هذه المرة، فالأسباب التي أغضبتها، سابقاً لا تزال قائمة، راهناً.
وعلى مستوى الوزراء السابقين -النواب الحاليين-لا مجال لتوقّع سقوط الحمايات السياسية التي كانت قد توافرت لهم سابقاً، فوضعيتهم لم تتغيّر مطلقاً، بل تعزّزت.

وعلى مستوى كبار القادة العسكريين والأمنيين، فإنّ إدخال المدير العام للأمن العام اللواء عبّاس ابراهيم، جهاراً، في قائمة المدعى عليهم، وسط حملة تستهدف ما يملكه من أموال في الخارج والإيحاء بأنّها نتاج “تواطؤ” في ملف نيترات الأمونيوم، لن يمر مرور الكرام، إلّا إذا كانت “حاضنته” السياسية قد تخلّت عنه، بعدما كثر الحديث عن طموحات سياسية لديه. وهذا لا يتوافر دليل عليه.

إنّ الحرب التي سبق أن شُنّت على القاضي فادي صوّان، شارك فيها الجميع، وهي نجحت، في اللحظة التي دخل الأمين العام لـ”حزب الله” حسن نصرالله على خط مؤازرتها.

لم تكن الحرب على صوّان لأسباب تتعلّق بشخصه، بل لأسباب تتعلّق حصراً بقراراته.
هذه الحرب سوف تُشن على بيطار، في اللحظة التي تراها الطبقة السياسية ملائمة.
ولكن، من ناحية أخرى، فالحرب على بيطار ستكون أكثر تعقيداً من الحرب على صوّان.
صوّان لقي المصير الذي يصطدم به عادة جميع الروّاد، فهم يفتتحون الطريق ولكنهم لا يتنعّمون بثمار هذا الفتح.
إنّ اعتماد الطبقة السياسية الأسلوب نفسه لمحاربة بيطار، لن يكون سهلاً عليها، فهي هذه المرة لن تتمكن، بسهولة، من شيطنة القاضي لتهرب من قراراته، لأنّ استعمالها لهذا الاسلوب ضد صوّان صعّب عليها استعماله، كما هو، ضد بيطار.

وهي إن فعلت سوف تثير غضب الداخل والخارج في آن، لأنّها ستقدّم الدليل الساطع على أنّها تعتمد تكتيك تضييع الوقت لتحقيق هدف طمس الحقيقة.
ولكن من السذاجة الاعتقاد بأنّ هذه الطبقة السياسية سوف تستسلم لقدرها، ولهذا يمكن ترقب اعتمادها السيناريو الآتي:

أوّلاً، “تتمسكن حتى تتمكّن”. وهذا يعني أنّها سوف تعطي الإجراءت القضائية “من اللسان حلاوة”، ولكن من دون اتخاذ أي إجراء يصب فعلاً لمصلحة ملاحقتها.

ثانياً، تعتمد وسائلها السرية في ايصال رسائل “الوعيد والترغيب” الى القاضي، فمن يتأكد أنّه يمكن ان يخرج سليماً من التحقيق يتعاون معه، ومن لا يتأكّد من ذلك يسن سكاكينه.

ثالثاً، اللجوء الى تكتيك اعلامي معهود، يقضي بـ”تغطية السماوات بالقبوات”، فتبدأ القوى المتضررة بطرح التساؤلات التشكيكية عن أسباب استهداف هذه الشخصية واستثناء تلك، وعن خلفية عدم كشف دور هذه المرجعية في مقابل فضح تلك، وعن النية التي تقف دون تقديم أجوبة عن تساؤلات معيّنة، لم تطرح يوماً إلّا على قاعدة عرقلة التحقيق.

رابعاً، عند الاقتناع بتكوين رأي عام مأخوذ ب”نظرية المؤامرة” تتم شيطنة المحقق ودفعه، بكل الوسائل المشروعة وغير المشروعة، الى وقف أعماله.

خامساً، وفي ظلّ هذه الأجواء، تلجأ الطبقة السياسية الى مؤازرة الملاحقين منها، برفع لواء “عدم صلاحية القضاء”، انطلاقاً من أنّ لرئيس الحكومة وللوزراء محكمة خاصة ينص عليها الدستور، من دون أن تجد هذه الطبقة السياسية من يسألها عن سبب نزعهم لرحم هذه المحكمة الخاصة.

ورفع لواء الصلاحية من شأنه أن يهدر وقتاً طويلاً، يتم في خلاله وعلى أثره طمس مسؤوليات جميع المتورطين المحتملين.

إنّ الموضوعية تقتضي التأكيد على انّ القاضي بيطار بيّن أنّ أعمال سلفه كانت صائبة، وأن الطبقة الحاكمة متورطة بدماء الشعب اللبناني، من خلال عدم تعاملها، وفق ما تقتضيه المسؤولية من جهة والقانون من جهة أخرى، مع مسألة كان معروفاً مسبقاً أنّها سوف تنتج كارثة كبيرة.

ولكنّ الموضوعية نفسها تقتضي لفت الانتباه الى أنّ وضع الملف بيد القاضي بيطار تسبّب بتضييع وقت ثمين، وأن اضطراره لانتظار الاجوبة عن طلباته، ومن ثم توقيف التحقيق للبت بمجموعة واسعة من “الطعون” سوف يفاقم الأمور.

ولعلّ الخطر في كل ذلك، أنّ العدالة لا يمكن ان تنشط في مجتمع تعصف فيه كوارث خطرة.
إنّ الرأي العام اللبناني، سبق أن تفاعل باهتمام كبير مع إجراءات صوّان الشبيهة بإجراءات بيطار الراهنة.

هذه المرة، بقي الموضوع مهماً ولكنّ التفاعل معه جاء أكثر برودة، فغالبية اللبنانيين مأخوذين بهموم الوقود والكهرباء والماء والدواء والاستشفاء والمواد الغذائية التي تضاعفت عمّا كانت عليه في زمن صوّان.

وهذا يعني أنّ الطبقة السياسية قد تجد سبباً إضافياً للإمعان في نهج تدمير البلاد وتجويع العباد، لأنّ كل ما يُلهي اللبنانيين عن مساءلة المتسبّبين بالكوارث التي تنزل عليهم، يصب في خدمتها.

ومن يفتّش عن دليل على صحة هذا الهاجس، ليس عليه سوى التأمّل بغياب ردّات فعل اللبنانيين، على بدء عملية انهاء وجود “المحكمة الخاصة بلبنان” التي كان كثيرون منهم مستعدّين لبذل حياتهم من أجل إنشائها.

وحدهم خصوم هذه المحكمة ينطقون، اليوم ليستكثروا عليها المشاركة في تكاليف “دفنها”.
ومن يعتقد بأنّ الطبقة السياسية اللبنانية لن تحاول دفع ملف المرفأ الى مصير “المحكمة الخاصة بلبنان”، يكن محظوظاً بتفاؤله.