هل وصل التنافس بين الإمارات والسعودية إلى نقطة الصراع؟.. خلاف “النفط” قمة جبل الجليد

من النادر أن يخرج الخلاف بين السعودية والإمارات إلى العلن كما يحدث في ملف النفط، فهل وصل التنافس بين الرياض وأبوظبي إلى نقطة الصراع؟

القصة هنا ترتبط بالأساس بكيفية معالجة الخلاف بين السعودية والإمارات حول تمديد اتفاق تخفيض النفط داخل مجموعة أوبك+ (منظمة الدول المنتجة للنفط + روسيا)، حيث خرج الخلاف إلى العلن، في تطور غير معتاد في علاقات الدولتين الخليجيتين المعتادتين على إضفاء السرية على أي خلاف ينشأ بينهما.




وهذه النقطة بالتحديد هي التي ركزت عليها وسائل الإعلام العالمية في تناولها لهذا الخلاف في الرؤى بين الرياض وأبوظبي بشأن تخفيضات إنتاج النفط، خصوصاً أن وزير الطاقة السعودي الأمير عبدالعزيز بن سلمان قد استفاض في توجيه النقد العنيف للموقف الإماراتي.

ما سبب الخلاف في ملف النفط؟

كانت مصادر داخل مجموعة أوبك+ قد قالت لرويترز إن المجموعة صوتت بالفعل الجمعة 2 يوليو/تموز لصالح زيادة الإنتاج الحالي بنحو مليوني برميل يومياً بداية من أغسطس/آب حتى ديسمبر/كانون الأول 2021، مع تمديد التخفيضات المتبقية حتى نهاية عام 2022، لكن الإمارات اعترضت على القرار مما حال دون التوصل إلى اتفاق.

وبحسب تقرير لوكالة بلومبيرغ الأمريكية، أدى “التصادم المرير” في مواقف الرياض وأبوظبي إلى انتهاء اجتماعين لمجموعة أوبك+ بالفشل بالفعل، وهناك اجتماع ثالث مقرر اليوم الإثنين 5 يوليو/تموز لمحاولة إقناع الإمارات بالتراجع عن موقفها والالتزام بالمقترح السعودي-الروسي.

من جانبها، بررت الإمارات موقفها من خلال تصريحات علنية الأحد 4 يوليو/تموز بالقول إنها تدعم زيادة الإنتاج اعتباراً من أغسطس/آب، لكنها تقترح تأجيل قرار تمديد التخفيضات إلى اجتماع آخر، وذكرت أنه يجب مراجعة النقاط المرجعية في الإنتاج الأساسي قبل أي تمديد.

وقالت مصادر في أوبك+ لرويترز إن الإمارات تشكو من تدني إنتاجها الأساسي، وهي قضية أثارتها من قبل لكنها كانت مستعدة للتغاضي عنها في حال انتهاء العمل بالاتفاق في أبريل/نيسان 2022.

فالتراجع الكبير في الطلب على النفط بسبب وباء كورونا كان قد دفع مجموعة أوبك+ العام الماضي للاتفاق على خفض الإنتاج بنحو عشرة ملايين برميل يومياً من مايو/أيار 2020، مع وجود خطط لإنهاء القيود بحلول نهاية أبريل/نيسان 2022. وشهدت الفترة السابقة على التوصل للاتفاق حرب أسعار بين السعودية وروسيا أدت إلى انهيار أسعار النفط بصورة كاملة، وكان موقف الإمارات وقتها داعماً بشكل كامل للموقف السعودي.

الرد السعودي على الموقف الإماراتي جاء من خلال وزير الطاقة الأمير عبدالعزيز بن سلمان، الذي وجه انتقادات لأبوظبي عبر فضائية العربية السعودية قبل اجتماع اليوم، داعياً إلى “شيء من التنازل وشيء من العقلانية” للتوصل لاتفاق.

وقال الوزير السعودي: “التمديد هو الأصل وليس الفرع”، مشيراً إلى ضرورة تحقيق توازن “بين أخذ إجراءات تتعامل مع وضع السوق الآن ولكن أيضاً تمسك بالأمور؛ بحيث إنك تكون قادراً على التفاعل مع الأمور الأخرى عند حدوثها.. فإذا أراد الجميع زيادة الإنتاج لا بد من تمديد الاتفاق”، مشيراً إلى الغموض المرتبط بمسار الوباء والإنتاج من إيران وفنزويلا.

وقال الوزير السعودي: “هناك جهد كبير بُذل خلال الـ14 شهراً الماضية حقق إنجازات خيالية يعيب علينا ألا نحافظ عليها.. شيء من التنازل وشيء من العقلانية هو المخلص الحقيقي لنا”. وأضاف: “نبحث عن طريقة نوازن فيها بين مصالح المنتجين والدول المستهلكة واستقرار السوق بوجه عام لا سيما في وقت الشح المتوقع نظراً لانخفاض المخزونات”.

وقال الأمير عبدالعزيز، الذي أكد أن المملكة “أكبر المضحين” في تحقيق التخفيضات الطوعية، إنه لا يمكن لأي دولة اتخاذ مستوى إنتاجها من النفط في شهر واحد كمرجعية وإن هناك آلية يمكن للدول الاعتراض من خلالها، مضيفاً: “الانتقائية صعبة”.

ماذا يعني تصعيد الخلاف بين الرياض وأبوظبي؟

الخلاف في المواقف أمر طبيعي ووارد الحدوث حتى بين أقرب الحلفاء، وبالتالي فإن تبني الإمارات موقفاً مخالفاً للموقف السعودي فيما يتعلق بتوقيت رفع القيود على إنتاج النفط لا يمثل في حد ذاته مؤشراً على وصول الخلاف بينهما إلى نقطة الصراع.

لكن طريقة التعاطي مع هذا الخلاف هي مربط الفرس كما يقال، إذ إن هذه هي المرة الأولى التي يخرج فيها الخلاف بين السعودية والإمارات للعلن بهذه الصورة، ومن خلال قنوات رسمية وعلى لسان مسؤول بحجم وزير الطاقة السعودي الذي قال نصاً إنه يحضر اجتماعات أوبك “منذ 34 عاماً وهذه أول مرة أرى فيها دولة عضو تتخذ مثل هذا الموقف”.

وبالتالي فإن خروج الخلاف إلى العلن بهذه الصورة يفتح باب التكهنات على مصراعيه بشأن النقطة التي وصل إليها التنافس بين الحليفين مع بروز المصالح الوطنية وتراخي التحالف الإقليمي الذي شهد تعاوناً كبيراً بين السعودية والإمارات لاستعراض النفوذ في الشرق الأوسط وما وراءه، والتنسيق في استخدام النفوذ المالي والقوة العسكرية في اليمن، بحسب تعبير رويترز.

فالخلاف في ملف النفط ربما يكون الحادث الأول الذي يخرج للعلن، لكنه بالتأكيد ليس سوى قمة جبل الجليد، فما حدث في تحالف السعودية والإمارات في حرب اليمن، التي انسحبت منها أبوظبي عام 2019 بعد أن حققت أهدافها المناقضة تماماً لأهداف الرياض يمثل بداية التصدع في ذلك التحالف، بحسب أغلب المراقبين.

وعلى الرغم من عدم خروج الخلاف بين السعودية والإمارات في اليمن إلى العلن بصورة رسمية، إلا أن دعم أبوظبي لانفصال الجنوب من خلال المجلس الانتقالي الجنوبي قد أضعف موقف السعودية في مواجهة الحوثيين وجعل الوصول إلى مخرج من المستنقع اليمني أمراً شبه مستحيل، وهو ما لا يمكن التغطية عليه أو تجاهله، رغم اتفاق الرياض الذي تم بحضور ولي عهد أبوظبي الشيخ محمد بن زايد وولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان، دون أن يتم تنفيذ بنود الاتفاق الأساسية حتى اليوم.

المصالحة مع قطر والتنافس الاقتصادي

الخلاف بين السعودية والإمارات إذاً ليس وليد أزمة تخفيضات النفط الحالية التي أخرجته للعلن بصورة نادرة، فالخلافات بينهما لا يتحدث عنها المسؤولون عبر وسائل الإعلام، ولا تظهر في وسائل الإعلام الرسمية إلا نادراً، بل يتداولها المحللون والأكاديميون والنشطاء، لكنها تبقى في الظل، حتى لا تفسد اللقطات التذكارية للحكام وأولياء العهود.

لكن يحدث أحياناً أن تبرز الخلافات إلى الواجهة، حين يبدو إخفاؤها مستحيلاً، كما حدث في أزمة حصار قطر وحرب اليمن، بينما تبقى معظم الخلافات حبيسة الغرف المغلقة، والرسائل الدبلوماسية، وتسريبات ويكيليكس.

وفي نهاية عام 2020 قالت رويترز إن “الإمارات خرجت هذا الأسبوع من تحت جناح النفوذ السعودي في (أوبك)”، مشيرة إلى أنه بسبب هذا الإحباط عرض وزير الطاقة السعودي الأمير عبدالعزيز بن سلمان التنحي عن منصب نائب رئيس لجنة المراقبة الوزارية المشتركة في المنظمة.

وكانت قمة العلا التي عُقدت 5 يناير/كانون الثاني الماضي مؤشراً آخر على الخلاف بين الرياض وأبوظبي، إذ غاب ولي عهد أبوظبي عن القمة التي استضافها ولي عهد السعودية جنباً إلى جنب مع أمير قطر الشيخ تميم بن حمد. المصالحة مع قطر جاءت من الرياض، على عكس رغبة أبوظبي.

ثم جاء تحرك السعودية باتجاه تحدي هيمنة الإمارات كمركز استثماري وسياحي إقليمي في ظل التنافس على جذب رؤوس أموال أجنبية لتنويع اقتصادها بعيداً عن الاعتماد على النفط ليمثل عاملاً آخر من عوامل التباعد بين الحليفين.

ففي منتصف فبراير/شباط الماضي، أعلنت السعودية نيتها إيقاف التعاقد مع أي شركة أو مؤسسة تجارية أجنبية لها مقر إقليمي في المنطقة خارج المملكة، بدءاً من مطلع عام 2024.

وكشفت وكالة بلومبيرغ الأمريكية في تقرير لها في نفس الشهر عن وجود صراع اقتصادي يهدد التحالف والصداقة بين السعودية والإمارات، رغم مصالحهما المشتركة، متوقعةً ازدياد حدة المنافسة بينهما مع استنزافهما ثرواتهما من النفط والغاز.

وترسم كل هذه التطورات صورة أكثر وضوحاً عن حجم الخلاف بين السعودية والإمارات، فهو لم يعد خلافاً في موقف بشأن قضية واحدة يمكن احتواؤه بصورة أو بأخرى اعتماداً على التقارب في باقي الملفات، إذ أصبح واضحاً الآن أنه خلاف استراتيجي يتعلق برؤية كل منهما لمصلحته الوطنية التي بات واضحاً أنها على مسار تصادمي في جميع الملفات.