الحرمان “يُزنّر” الفيحاء… وفتيل التفجير ينتظر “شرقوطة”!

ألان سركيس – نداء الوطن

في كل مرحلة صعبة تمرّ بها البلاد، تبقى الأنظار موجّهة إلى عاصمة الشمال طرابلس، نظراً إلى تفاعلها الكبير مع المتغيّرات التي تستجدّ في الوطن والإقليم.




عندما وقف رئيس النظام السوري بشّار الأسد في 5 آذار من العام 2005 معلناً إنسحاب جيشه المحتل من لبنان بعد اغتيال الرئيس رفيق الحريري، إستعمل بعدها مصطلحاً قديماً وهو “طرابلس الشام”، فهبّت الفيحاء في 14 آذار لتردّ على تظاهرة 8 آذار وشعار “شكراً سوريا” وقالت “لبنان أوّلاً”. وتحرّكت النار الهامدة خلال أحداث 7 أيار 2008، واشتعلت جبهة جبل محسن – باب التبّانة لكن تسوية “الدوحة” أطفأتها سريعاً، لتنفجر المدينة التي تتأثر بكل الرياح الدولية بعد انطلاق الثورة السورية في 15 آذار 2011، وتشهد أكثر من عشرين جولة قتال إنتهت بتسوية جديدة بعد تأليف الرئيس تمّام سلام حكومته في شباط 2014.

اليوم تتّجه الأنظار مجدّداً إلى طرابلس، فكل التسميات القديمة من “طرابلس العروبة” و”طرابلس عبد الناصر” و”طرابلس الشام” و”طرابلس أبو عمّار” و”طرابلس قلعة المسلمين”، تسقط أمام الجوع والفقر الذي يضرب أهالي الفيحاء مثل كل لبنان.

كانت طرابلس “عروس الثورة” وانتفضت في 17 تشرين 2019، وبقيت ثورتها مشتعلة بعدما همدت بقية المناطق، حتى أنها تُركت وحيدةً في الساحة، لكن الطرابلسي يرى نفسه متروكاً لقدره، لا قوة إقليمية تسأل عنه مثل “غريمه” الشيعي، القوى السنية والطرابلسية عاجزة عن مساعدته، والأهم أن الدولة تخلّت عن كل شعبها، فكيف بالأحرى عن طرابلس؟

ويصف قادة الأجهزة الأمنية الوضع في طرابلس بأنه “نار تحت الرماد” ولا يعرف أحد متى ينفجر الوضع الأمني في البلاد، لأن الحرمان يطال المدينة كما أن عدداً كبيراً من المواد الاستهلاكية مفقودة بسبب الشحّ فيها، إضافةً إلى نشاط المهرّبين على خطّ طرابلس – سوريا.

ومن جهة أخرى، لا تستبعد الأجهزة الأمنية دخول مخرّبين أو أشخاص من أصحاب الأجندات الخاصة، واستعمال الساحة الطرابلسية لتوجيه رسائل سياسية وأمنية، لكنّ الخطر الأكبر يأتي من الواقع الإجتماعي والإقتصادي، وهذا ما يُشكّل “قنبلة حارقة” ممكن أن تنفجر في أي لحظة، ولن تقتصر شظاياها على المدينة والشمال، بل ستطال كل البلاد.

وينطلق تخوف الأجهزة الأمنية من إطّلاعهم على الواقع الطرابلسي جيداً، خصوصاً وأن الوضع اليوم أصعب بكثير ممّا كان عليه بعد انطلاق الثورة، وحتى خلال فترة ملامسة الدولار العشرة آلاف ليرة قبل أشهر.

وتربط الأجهزة الواقع الطرابلسي بما يعيشه كل لبنان، وتصف الوضع بأنه كناية عن حطب يابس ومغطّس بالبنزين وينتظر “شرقوطة” صغيرة لكي يشتعل، وهذا الأمر سيكون خطراً جداً على الجميع.

فعلت الأجهزة الأمنية ما يتوجّب عليها، وأبلغت المسؤولين بخطورة الوضع، وهي ترفض بالمطلق المعالجة الأمنية لمشكلة إجتماعية وإقتصادية تُصنّف من الأقسى التي مرّت على لبنان، وبالتالي فإن الجيش والقوى الأمنية وبقية الأجهزة التي تعاني هي الأخرى مثل الشعب، أكّدت أنها تعمل لحماية المتظاهرين وعدم الإعتداء على الأملاك العامة والخاصة والحفاظ على الأمن قدر المستطاع، لكنها في المقابل أعلمت المسؤولين أنها لن تكون مثل جيش الأسد الذي يضرب شعبه، بل إنها جزء من هذا الشعب ولخدمته وحمايته وحماية أسس الدولة.