هل تبدَّد الحلم الرئاسي لأقطاب الموارنة وإن أعداء؟

سركيس نعوم – النهار

لا يزال “حزب الله” مُتمسّكاً بتحالفه “الاستراتيجي” مع الرئيس ميشال عون ومع “التيّار الوطني الحر” الذي أسَّسه مذ كان في المنفى ثمّ أورثه إلى صهره والأقرب إلى عقله وقلبه من سائر الأنسباء والمُحازبين وإن كانوا “من لحمه ودمه” كما يُقال. دافعه إلى ذلك اقتناعه بأنّ عون استراتيجي خلافاً لـ”تيّاره” ورئيسه وغالبيّة كادراته بعد عمليّة “التطهير” التي نفّذها داخله باسيل انطلاقاً من معيار الولاء لا الكفاءة أو على الأقل قبل الكفاءة. لهذا السبب يُعامله أمينه العام السيّد حسن نصرالله بكثيرٍ من “المحبّة” والاحترام و”الرفق”. لكنّه في أحيانٍ كثيرة يغضب جرّاء تصرّفات ومواقف لا تتوافق مع “تفاهم مار مخايل” ولا مع التحالف الاستراتيجي فيترك العنان لعتاب بعضه علني وغير مباشر بواسطة الحلفاء والتواصل الاجتماعي محاولاً بذلك إبلاغ من يلزم بالآتي: “لا تزيدوها عليّ”. ويتمّ الالتزام بهذا الطلب أو هذه النصيحة لكن إلى حين، إذ أنّ “الطبع يغلب التطبّع”. هذا ما يقوله المتابعون اللبنانيّون أنفسهم لحركة “حزب الله” من قرب كما للحركة السياسيّة العامّة في البلاد. ويُضيفون إليه شيئاً يُطمئن بعض الطامحين الجديّين إلى رئاسة الجمهوريّة عند انتهاء ولاية عون، كما بعض الساعين إلى عدم وصول أخصامهم إلى هذا الموقع. يُعبِّرون عن ذلك بالقول: “أنّ جبران باسيل لن يكون رئيساً وأنّ زعيم “تيّار المردة” النائب والوزير السابق سليمان فرنجية لن يكون رئيساً رغم صداقته و”تحالفه” المزمنَيْن مع رئيس سوريا بشّار الأسد”.




ويُلمِّحون إلى أنّ معلومات تُفيد أنّ الثاني أُبلغ بذلك فلم يفرح به لكن سرّه منه ما أشار إلى استبعاد منافسه وغريمه أي جبران. تُفيد أيضاً أنّ جبران يعرف ذلك، لكنّه وربّما بسبب طبعه لم يقبل هذه المعادلة على الأقل بينه وبين نفسه، ولا يزال يأمل في أنّ يُساعد عمّه الرئيس عون في ما تبقّى من ولايته لقلب الأوضاع في مصلحته. لكنّ أمله هذا قد يكون مُبالغاً فيه لأنّ من أمضى قرابة خمس سنوات من عهده الرئاسي من دون أيّ إنجاز وطنيّ وعامّ، وأخفق في منع وصول لبنان إلى جهنّم التي قال هو أنّه واصل إليها اقتصاديّاً واجتماعيّاً وماليّاً وسياسيّاً ونقداً وأمناً وفساداً و… لا بُدّ أن تكون ضعُفت قدرته على التأثير في “صُنّاع” الرئاسة اللبنانيّة من لبنانيّين وإقليميّين وحتّى دوليّين. طبعاً لا يعني حصر الكلام بباسيل وفرنجية أنّ لا طامحين آخرين للرئاسة بين أقطاب #الموارنة وفي مقدّمهم رئيس “حزب القوات اللبنانية” سمير جعجع، وبين “مُثقّفي” الموارنة الطامحين إلى الرئاسة باستعمالهم تدوير الزوايا مع كل “الناخبين الرئاسيّين”، كما بين نوّابٍ مُستقلّين أثبت بعضهم في منطقته الانتخابيّة وجود شعبيّة مُهمّة له مثل ابن الرئيس الشهيد رينه معوض، ومثل ابن الوزير السابق الراحل جورج افرام الذي أثبتت الأيّام أنّ مشروعه لتأمين كهرباء 24 على 24 للبنان أيّام الشهيد رفيق الحريري كان أفضل من المشروع الذي نُفِّذ ولا سيّما بعدما تضاعفت تكاليفه بفعل الفساد والمُحاصصة الداخليّة والشقيقة. لكن يُفهم منه أنّ أحد هؤلاء حظَّه الرئاسي غير موجود على الاطلاق، وأنّ الآخرين الأقلّ “راديكاليّة” مسيحيّة وحزبيّة لا تزال حظوظهم ضعيفة لأنّهم يقفون سياسيّاً في الصفّ الدولي والإقليمي المُعادي لأحد الناخبين الرئاسيّين لرئيس جمهوريّة لبنان وهما إيران (“حزب الله” واستطراداً الأسد). ورغم أنّ هذا الصفّ كان دائماً ناخباً رئاسيّاً لرئيس دولة لبنان وسيبقى كذلك ولا سيّما إذا نجح في التوصُّل إلى اتفاق مع إيران في فيينا. وفي حالٍ كهذه فإنّ الاختيار سيقع على طامحٍ أو طامحين لا يعتبرون أنفسهم حكّاماً للبلاد بواسطة رؤسائها الضعفاء. أمّا إذا تعذَّر الاتفاق واستمرّت المواجهة بل تفاقمت بين الناخبَيْن الإقليمي والدولي فإنّ فراغ سُدّة الرئاسة الأولى سيكون الاحتمال الأقوى.

ماذا سيحصل في ظلّ الاستعصاء الحكومي منذ نحو 9 أشهر؟

يؤكّد المُتابعون اللبنانيّون أنفسهم لـ”حزب الله” في لبنان كما للحركة السياسيّة فيه عموماً جواباً عن السؤال: “إنّ رئيس مجلس النوّاب وزعيم “حركة أمل” وشريك “حزب الله” في “الثنائيّة الشيعيّة” نبيه برّي لن يتراجع عن مواقفه المعروفة، وقد شُرِح قسمٌ كبير منها في “الموقف هذا النهار” الأسبوع الماضي. أي لن يتراجع أمام الرئيس عون وصهره النائب باسيل، وأنّ حربه مع الثاني مُستمرّة وإذا شارك فيها الأوّل فإنّ هذه الحرب ستشمله أيضاً”. ويؤكّدون أيضاً: “أنّ باسيل لن يتراجع عن مواقفه وأنّ عون مستمرٌّ في دعمه اللامحدود له”. يعني ذلك في رأي المتابعين أنّ لا حكومة في المستقبل المنظور رغم المحاولات المستمرّة لإيجاد مخرج من الأزمة الحكوميّة الراهنة. أكثر ما يُمكن أن يحصل على هذا الصعيد أمران. الأوّل مبادرة رئيس الحكومة المستقيلة حسّان دياب إلى حلحلة موقفه المُتمسِّك بحرفيّة النصّ الدستوري في مسألة تصريف الأعمال أيّ القيام بها في أضيق نطاق ممكن. لا تعني الحلحلة قبول عقد جلسات لمجلس الوزراء في حضور رئيس الجمهوريّة أو من دونه لمعالجة موضوعات ومشكلات بالغة الأهميّة والتأثير على الأمن الاقتصادي والاجتماعي والمالي واستطراداً السياسي والوطني. بل اشتراكه في لقاءات وزاريّة مُطعّمة بمسؤولين غير حكوميّين في حضور الرئيس تتّخذ قرارات مُهمّة مطلوبة. وإذا عجزت هذه الطريقة عن تحقيق النتائج المأمولة فإنّ الأمر الثاني الذي سيتمّ اللجوء إليه وإن بعد يأس فهو خلق أوضاع تُقنع الرئيس المُكلّف بالاعتذار قبل أشهر من الانتخابات النيابيّة التي يُفترض دستوريّاً أن تُجرى في أيّار المقبل، والانتقال إلى تأليف حكومة انتخابات من رئيس ووزراء قرّروا عدم ترشيح أنفسهم فيها. وأهمّ شخصين في حكومة كهذه سيكونان رئيسها ووزير الداخليّة فيها. والمُرشّح “الأقدر” ربّما على تولّي هذه المهمّة هو وزير الداخليّة الحالي محمد فهمي رغم وجود طامحين آخرين إلى هذا الموقع سواء من خارج النادي السياسي العام أو من داخل نادي رؤساء الحكومات السابقين. يعني ذلك أنّ الوزراء الآخرين قد يكونون “كمالة عدد” كما يُقال. لكن ما يشغل اللبنانيّين إضافة إلى ذلك هو الاتّجاه الذي تسير البلاد نحوه بعد انهيار دولتها وفشلها وبقاء مؤسّساتها شكلاً فقط رغم محاولتها “غشّ” الناس بتحرّكاتها غير المُنتجة. والجواب عنه ليس سهلاً الآن لكن من الطبيعي أن يتعرَّض له “الموقف هذا النهار” قريباً.