لبنان في مهب الإنهيار – مصطفى فحص – الحرة

يتسارع الانهيار، ويتسارع معه الاهتمام الدولي بضبط سرعته وليس منعه، بعدما بات السلاح الوحيد بجعبة المجتمع الدولي، يستخدمه كأداة لفرض التغيير داخل الطبقة السياسية، ووضع حد لفساد المنظومة الحاكمة. طبقة غير مقتنعة بأن فرصها عند جزء أساسي من المجتمع الدولي باتت شبه معدومة، لكنها تكابر أو “تتشاطر” كأنها هذه المرة أيضا ستكون قادرة على خداع الداخل والخارج وجرهما إلى اللعبة التي تتقنها باحتراف من خلال ترهيبهما بالفوضى واللاجئين والإرهاب والسلاح.

الأزمة لم تعد في تشكيل الحكومة أو من سوف يشكلها، بل أزمة سلطة تتمترس خلف الآليات الدستورية وحسابات الطوائف ببعديها السياسي والروحي لكي تحمي امتيازاتها، وتحافظ على موقعها ومصالحها، لذلك منذ 17 تشرين 2019 تخوض متضامنة معركة وجود لا تسمح بسقوط أي طرف منها لأنه سيفتح الباب على مصراعيه لسقوط آخرين.




تحتمي الطبقة السياسية خلف امتيازات دستورية لن تسمح بأن تنتزع منها، وهي تتصرف مطمئنة إلى أن الشارع غير قادر على إسقاطها بالضربة القاضية، حتى لو تظاهر الشعب بأكمله، وهي تعول على الانتخابات البرلمانية المقبلة لتعيد تعويم نفسها لأن قانون الانتخابات سيسمح لها بالحفاظ على أغلبية تمكنها من الاستمرار في السلطة، فالسلطة بالنسبة لها مسألة حياة أو موت، فهي حصانتها من أي مساءلة أو عقاب لذلك من المستحيل أن تتخلى عنها.

طوال المرحلة السابقة رفعت الطبقة السياسية معادلتها الدستورية بوجه من طالبها بالتنازل أو من دعاها للقيام بتسوية تنقذ ما تبقى من الدولة، ونجحت في إفشال المبادرة الفرنسية، حتى أنها فرضت شروطها على الرئيس الفرنسي الذي كاد أن يسقط في الفخ الذي نصبته لمبادرته، التي أفرغت من مضمونها وسيلتها المنظومة لصالحها في أصعب لحظة كان مستقبلها مهددا بعد انفجار المرفأ.

ما تحاول هذه الطبقة السياسية إنكاره أن الانهيار الذي اقترب من الارتطام الكبير قد يستخدم أداة لإقصائها. فقد دفع تعنتها بالقوى الإقليمية والدولية إلى حشد قدراتها لرسم سيناريوهات ما بعد الإنهيار، فتحرك الفاتيكان بكل ما يملك من تأثير دولي واستقبل رؤساء الكنائس اللبنانية، وسبقه تحركات فرنسية أميركية حملت الطبقة السياسية مسؤولية ما وصلت إليه الأوضاع، ويبدوا أن الأيام المقبلة ستحمل رؤية فرنسية أميركية وسعودية منسجمة لما بعد الارتطام.

من الفاتيكان إلى عواصم عربية وغربية كان القلق من أن يعرض لبنان على طاولة التسويات الدولية والإقليمية، لكن اجتماعات جنيف وبغداد لم تتطرق إلى الملف اللبناني، فقد فشلت بعض الأطراف في مقايضة لبنان بملفات أخرى، وبقيت أزمته خارج ما يمكن أن تنجزه هذه الأطراف من تفاهمات ثنائية محدودة لا يمكن أن تنعكس إيجابيا على الوضع الداخلي اللبناني وشروط المجتمع الدولي.

إعادة الاهتمام بلبنان في لحظة متغيرات داخلية وخارجية، سيضع حدا لتلاعب الطبقة السياسية بالأدوات الدستورية، وسيعمل على تفكيكها من أجل فرض شروطه الإنقاذية التي تتقاطع مع المعايير التي وضعتها انتفاضة 17 تشرين، وهي عمليا لا تنسجم مع بعض الاعتبارات التي تضع خطوطا حمراء على رحيل بعض رموز السلطة أو شروطا على اختيار وجوه المرحلة الجديدة.  فالمجتمع الدولي، خصوصا الأطراف العربية، ليس جمعية خيرية ستتدخل لإنقاذ ما يمكن إنقاذه من دون شروط، كما أن الخارج الذي يدفع إلى تقاعد الطبقة السياسة كمفتاح لبداية الحل يملك ما يكفي من ملفات وعقوبات ستجبرها على التراجع.

وبناءا على ما تقدم، فإن الحل في لبنان ليس قريبا ولكن الانهيار أقرب، وبانتظاره ستُخرج السلطة ما في حوزتها من عتاد من أجل الدفاع عن نفسها، وسيخرج المجتمع الدولي ما في جعبته من شروط لكي يفرضها، وما بينهما مأساة إنسانية ستغير وجه لبنان لعقود.