يوم الصلاة في روما: لا لحلف الأقليات ومحاور العزلة

علي حمادة – النهار

كان يوم الصلاة من اجل لبنان في الڤاتيكان الذي دعا اليه البابا فرنسيس  رؤساء الطوائف المسيحية محطة مهمة جدا بالنسبة الى لبنان في ظل تفاقم الازمات التي تعصف به، وتدفع به يوما بعد يوم الى القعر. كان مهماً لناحية انه يرسخ مبدأ سار عليه الڤاتيكان من زمن بعيد يفيد بأن لبنان يبقى بالنسبة الى الكرسي الرسولي موقعا يقع في صلب اهتماماته، ويمثل في مكان ما هذا الوصف الذي سبق للبابا يوحنا بولس الثاني ان اطلقه لدى زيارته لبنان، بأن الأخير هو “رسالة”.
رسالة عيش مشترك وتلاقح بين الأديان و الحضارات، ينبغي المحافظة عليه في وقت يتحول العالم من اطار الدول الوطنية ذات البُعد الاتني او الديني الصافيين، الى دول تتجه نحو تعددية راسخة، حيث انه لن تكون بنهاية القرن الحالي دول “صفاء” عرقي، او ديني إلا في ما ندر. العالم ينحو في اتجاه الاختلاط على كل المستويات، والانغلاق سيصير من الماضي، مما يعيد طرح فكرة لبنان التعددي، المتنوع الذي سبقت تجربته معظم تجارب العالم الحالي. لكن لبنان اليوم مريض، وينزلق بثبات نحو هوة سحيقة تتهدد الكيان نفسه، كما تتهدد مكوناته المتعايشة، ولا سيما المكوّن المسيحي الذي يرى فيه الڤاتيكان عنوانا للوجود المسيحي في الشرق بأسره. فللمسيحيين في لبنان هوية مختلفة عن كل مسيحيي الشرق، ولهم دور وحضور يستحيل ان يقارَن في المنطقة. لكن المسيحيين في لبنان يعانون مثل غيرهم من ابناء الوطن، لا بل انهم يقعون في دائرة الخطر الأكبر، بعدما زال  الحضور المسيحي في الشرق او يكاد. فالازمات المهولة في لبنان تسحق كل اللبنانيين بصرف النظر عن انتماءاتهم الدينية، وهي تدفع بعشرات الآلاف منهم الى طلب الهجرة هرباً من جحيم المجرمين القيّمين على شؤونهم، أي الطاقم الحاكم.
دعوة الڤاتيكان رؤساء الطوائف المسيحية في لبنان، تدور حول فكرة محورية، ألا وهي منع لبنان من الانهيار. انها مسؤولية لا تخص المسيحيين وحدهم، لكن المسيحيين معنيون اكثر من المسلمين، وخصوصا انهم بخلاف إخوانهم المسلمين في لبنان، هم الأكثر ميلاً للهجرة، وهجرتهم على نقيض هجرة المسلمين غالباً ما تكون نهائية لاعودة عنها. انه خطر تفريغ لبنان من مسيحييه. وامام هذا الخطر ثمة توجهان لدى اصحاب الشأن المسيحيين. الأول يتمثل بما يدعو اليه الكرسي الرسولي بترسيخ الدور المسيحي المتفاعل إيجابيا مع جميع المكونات الأخرى، تحت بند تحييد المسيحيين عن الاحلاف، والمشاريع الإلغائية، ومعه الصراعات الإقليمية التي غالباً ما يدفع المسيحيون ثمنها. والثاني، انخراط المسيحيين في صراعات المنطقة واحلافها، تحت عنوان “حلف الأقليات” الذي وإنْ بدا لوهلة انحيازاً لطرف “منتصر” ظاهريا او مرحليا، فهو الخطر بعينه، لان الرهان على انتصار فريق على آخر لا بد من ان ينعكس على الطرف الأضعف في المنطقة الذي سيكون عليه ان يدفع ثمن انحيازه. ان قوة المسيحيين في لبنان والشرق تكمن في لعب دور الجسر. لكن الجسر يتطلب منهم لعب دور أهم، ألا وهو منع زوال هذا الوطن، من خلال العمل بقوة لاستدراج كل اللبنانيين الى فكرة الحياد. فلا بقاء للبنان يجري سحبه بالقوة الى لعبة المحاور. هذا هو مشروع البطريرك الراعي، وهذه هي رسالة الڤاتيكان الذي احسن بدعوة جميع رؤساء الطوائف المسيحية بمن فيهم المنخرطون في محور “حلف الأقليات” ومشروع المشرقية المتخلف!