نبيل بومنصف - النهار

حذار “الانتقام” من طرابلس! – نبيل بومنصف – النهار

لا ترانا في حاجة الى التخوف من كل من تسول له نفسه ، وايا تكن ذرائعه ومبرراته وظروفه المأسوية الأكثر من ان تعد وتحصى ، بان يحول ابشع مصير بلغه اللبنانيون على ايدي جلاديهم السلطويين والسياسيين وسواهم الى مطية مرفوضة ومدانة بالكامل لمواجهة الجيش اللبناني باي صورة من صور الاستهدافات المشبوهة . ولذا نسارع غداة الانفلاش المسلح الذي شهدته طرابلس الى تنبيه أولئك الذين صدحت عقيرتهم باصطناع اللهفة على أبناء طرابلس الفقراء والمفتقرين الى ادنى متطلبات الحياة الكريمة بان هذا المنطق الخبيث لن يؤدي سوى الى استباحة تسويغ الفوضى الميليشيوية المسلحة في نهاية المطاف ، وان الفقر والعوز أيا بلغت حدود ضغوطهما على الناس فهما مرفوضان كممر لاستباحة استقرار البلاد واستهداف الركن الوحيد الأخير المتبقي من دولة انهارت كحزام امان نهائي لا ضمان بعده لبقايا هذه الدولة .

هذه الحقيقة المحسومة التي لا تحتمل الخضوع لاي اجتهادات خبيثة من أي جهة لا تعني تجاهل اخطر ما تعنيه عودة طرابلس تحديدا الى عين العاصفة وتصدر واجهة بل قائمة الاخطار المستجدة الطارئة التي تبدو بمثابة نبوءات الشؤم حيال التطورات الدراماتيكية التي تعصف بلبنان . هذه المدينة التي تحمل تاريخها وتراثها بكل الزاهي الأبيض والمؤلم الأحمر في تجارب مرت عليها وحفرت عميقا في طبائع ناسها وأهلها وعارفيها ، لم يكن غريبا ان تحولت الى جوهرة الثورة وعروس الانتفاضة بعد الحدث الكبير الذي استولد اكبر انتفاضة اجتماعية في تاريخ لبنان في 17 تشرين الأول 2019 .




على رغم ما مر بنا من احداث واهوال في الفترة التي أعقبت اجتياح الجائحة للبنان متزامنة مع تسارع مذهل لفصول الانهيار اللبناني ، لم ننس بعد كم اشعلت فينا “سهرات” الثورة في ساحات طرابلس ذاك الشعور العارم بافتخار حقيقي لان هذه المدينة التي اثخنت عشرات بل مئات المرات بتجارب الاشتباكات الدموية الداخلية والإقليمية على اختلافها حولت تلك التجارب الى اعظم تعبير جماعي عابر وموحد للطوائف والفئات والمناطق حين صارت طرابلس بحق عروس الثورة والمدينة القائدة الفذة للانتفاضة الاجتماعية اللبنانية قاطبة .

اننا من هذه الزاوية حصرا وتحديدا نخشى على طرابلس ومن خلالها على “عموم” مدن لبنان وبلداته ان هي سقطت السقطة القاتلة الآن في تحويل الاحتجاجات المشروعة الى القناة الأخطر لاستباحة الامن اللبناني قاطبة .لم تعد طرابلس تحتكر سمعة المدينة الأكثر فقرا ، لان معظم لبنان صار ينافس طرابلس من هذه الزاوية وغيرها من زوايا البؤس الاجتماعي والاقتصادي المتفجر ، ولذا لن يكون مسموحا ولا مسوغا في أي شكل بعد ان يعود تبرير الظهور التآمري للسلاح وزجه في وجه مدنيين او عسكريين بالأوضاع الانهيارية التي تتدحرج على مدى جغرافية لبنان كله .

بل اننا نخشى ان يكون التعمد في اطلاق نذر خطر ظهور السلاح من “طرابلس أولا” وليد مؤامرة بكل المعايير على طرابلس نفسها للانتقام من ريادتها في الحركة الاحتجاجية والانتفاضة الاجتماعية لان قائمة المتضررين من طرابلس الانتفاضة السلمية الحضارية قد تذهل كثيرين . وايا تكن الظروف والاحوال التي سترتسم تباعا في سائر انحاء الجمهورية البائسة الغائرة نحو مصيرها القاتم لن يكون مشرفا اطلاقا لطرابلس التي أضاءت تاريخ الانتفاضة الاجتماعية بصفحات لا تنسى ان ترضخ مجددا لاصابع سوداء تستحضر فيها غرف عمليات الاستباحات الدامية والفوضوية .احموا “طرابلس أولا ” عروسا للانتفاضة لا لدفن هذا الإنجاز التاريخي .