من يريد العيش بهذا الـ”لبنان”

منذ نهاية عام 2019 انقلب الوضع في لبنان رأسا على عقب، وقد رافقه هبوط يومي لليرة اللبنانية أمام الدولار وظهور السوق الموازية بسعر صرف وصل اليوم إلى قرابة 17 ألف ليرة لكل دولار مقارنة مع 1510 في السوق الرسمية.

وقادت الأزمة الاقتصادية الأسوأ في تاريخ البلاد إلى استياء شعبي عارم، حيث بات من روتين حياة اللبناني اليومية الانتظار في الطوابير أمام محطات المحروقات من أجل الحصول على الوقود لسيارته.




وإبراهيم عرب واحد من اللبنانيين الذي ينتظر لعدة ساعات في اليوم في شمس الصيف الحارة لشراء وقود لسيارة الأجرة التي يعمل عليها.

وعندما لا يعمل، يتنقل الأب لطفلين والبالغ من العمر 37 عاما من صيدلية إلى أخرى في بيروت بحثا عن الحليب لابنه البالغ من العمر 7 أشهر مهما كان نوعه على الرغم من إصابة الرضيع بإسهال شديد وقيء من علامة تجارية غير مألوفة. ويبدو عرب قلقا مما سيحدث إذا مرض أطفاله حقا، حيث تكافح مستشفيات لبنان، التي كانت من بين الأفضل في المنطقة، وسط الأزمة الاقتصادية والمالية في البلاد التي أدت إلى انقطاع التيار الكهربائي اليومي الذي يستمر لساعات، ونقص في وقود الديزل للمولدات الاحتياطية، ونقص في المعدات الطبية والأدوية.

وبعد أشهر من معاناة لا نهاية لها في الأفق، برز واقع جديد لمعظم سكان لبنان الذين يقدر عددهم بنحو 6 ملايين شخص، بدءا بالنقص الحاد في قطع غيار السيارات مرورا بالأدوية والوقود، وصولا إلى السلع الأساسية الأخرى في بلد يعتمد على الاستيراد.

وقال عرب في حديثه لوكالة “أسوشيتد برس”، “كانت حياتي صعبة بالفعل. والآن، جعلت أزمة البنزين الأمور أسوأ”. وللبقاء على قيد الحياة، يعمل في وظيفة ثانية في محل بقالة ببيروت، لكن دخله الشهري بالليرة اللبنانية فقد 95 في المئة من قدرته الشرائية.

وأصبحت الأزمة، التي بدأت في أواخر 2019، متجذرة في عقود من الفساد وسوء إدارة الطبقة السياسية في فترة ما بعد الحرب الأهلية التي تراكمت عليها الديون ولم تفعل سوى القليل لتشجيع الصناعات المحلية، مما أجبر البلاد على الاعتماد على الواردات في كل شيء تقريبا.

وتراجعت الليرة اللبنانية فيما شدّدت البنوك قبضتها على عمليات السحب والتحويلات، واشتد التضخم المفرط. وتزيد أزمة السيولة من شل قدرة الحكومة على توفير الوقود والكهرباء والخدمات الأساسية. كما يؤدي نقص الدولارات إلى تدمير واردات الإمدادات الطبية والطاقة.

وأثار نقص الوقود مخاوف من أن تصاب البلاد بشلل تام، حيث يجب أن تغلق حتى المولدات الخاصة التي استخدمها اللبنانيون لعقود لساعات للحفاظ على الديزل.

وكتبَ فراس أبيض المدير العام لمستشفى رفيق الحريري الجامعي والذي يقود مكافحة فايروس كورونا في البلاد، على تويتر يقول “نحن في الجحيم حقا”. وبالرغم من موجة الحر، فقد قرر المستشفى الاثنين إطفاء أجهزة التكييف باستثناء الأقسام الطبية.

كما أثر انقطاع الكهرباء على اتصالات الإنترنت في مدن مختلفة، بينما تحذر المخابز من أنها قد تضطر إلى الإغلاق بسبب نقص الوقود. كما أصبح الوضع حرجا في الأسابيع الأخيرة، مع الاشتباكات وإطلاق نار على مضخات الغاز، بما في ذلك واحدة في مدينة طرابلس الشمالية، حيث قُتل نجل مالك إحدى المحطات.

ويستنكر العديد من اللبنانيين عدم قدرة قادتهم أو عدم استعدادهم للعمل معا لحل الأزمة.

وكانت البلاد بلا حكومة عاملة منذ استقالة حكومة حسان دياب بعد أيام من الانفجار الهائل الذي هز ميناء بيروت في الرابع من أغسطس 2020 وأسفر عن مقتل 211 شخصا وإصابة أكثر من 6 آلاف. ونتج الانفجار الكارثي عما يقرب من 3 آلاف طن من نترات الأمونيوم شديدة الانفجار التي خُزّنت بشكل غير سليم هناك لسنوات.

ويتوقع السكان أن يزداد الاقتصاد سوءا. لذلك، فهم يبحثون عن طرق للتكيف والتأقلم.

ولتجنّب الانتظار لساعات، يدفع البعض للناس ليتولوا نيابة عنهم ملء خزانات سياراتهم بالوقود. ويأخذ آخرون أجهزة الكمبيوتر المحمولة ويعملون من داخل سياراتهم في ما يُعرف باسم “طوابير الإذلال”.

كما يعتمد الكثيرون على الأقارب والأصدقاء في الخارج لإرسال الأدوية وحليب الأطفال. ويتنقل أولئك الذين يستطيعون تحمل تكاليف السفر جوا إلى البلدان المجاورة لمدة يوم أو يومين لتخزين حاجاتهم لشهور.

والأسبوع الماضي، وافق دياب على تمويل واردات الطاقة بمعدل أعلى من سعر الصرف الرسمي، مما خفض فعليا دعم الوقود وسط تفاقم النقص. ومن المتوقع أن تبدأ الخطوة التي دخلت حيز التنفيذ الثلاثاء المقبل في تخفيف الأزمة مؤقتا، على الرغم من ارتفاع الأسعار بنسبة 35 في المئة.

وكان بعض الناس يخزنون الوقود خوفا من أن تتضاعف الأسعار، مما زاد من ندرته. وستجعل مثل هذه الزيادة في الأسعار تكلفة الوقود بعيدة عن متناول الكثيرين في بلد يعيش فيه أكثر من نصف السكان في حالة فقر.

ويعمل آخرون على تهريبها إلى الجارة سوريا التي تعاني من أزمة وقود هي الأخرى حيث أصبح سعر البنزين أعلى بخمس مرات مما هو عليه في لبنان. لكن هذا يزيد من النقص في لبنان أيضا.

ودفعت الأزمة السكان الغاضبين في جميع أنحاء البلاد إلى إغلاق الطرق احتجاجا. وصادروا عدة شاحنات صهريجية في شمال لبنان ووزعوا البنزين على المارة بالمجان. وصادرت مجموعة أخرى شاحنة تحمل الحليب المجفف ووزعت محتوياتها.

وقال عهد مكارم (24 عاما) الذي يعمل في محطة وقود بقرية الدامور الساحلية جنوبي بيروت “لقد أصبح عملنا عمل دمار شامل”.

وبينما كان يتحدث، تحرك صف من المئات من السيارات ببطء على طول الطريق السريع. وتوجّه العشرات من العمال إلى تشغيل مضخات المحطة البالغ عددها 12 مضخة لملء السيارات والدراجات النارية. واقتصرت حصص سائقي السيارات على 20 لترا.

وأكد مكارم أن مناوبته التي تستغرق 13 ساعة تبدأ في السادسة صباحا، ولا يكاد يكون لديه وقت لتناول الطعام أو الجلوس. وكشف أن معارك بالأيدي اندلعت في الأسابيع الأخيرة حيث حاول بعض الناس اقتحام الصف، مضيفا أنه عند إغلاق المحطة في الساعة 7 مساء، يتعيّن على الشرطة أحيانا التدخل لإبعاد الزبائن الغاضبين الذين انتظروا عبثا.

ويخشى الكثيرون من أن الأمور ستزداد سوءا خلال الأشهر المقبلة، مع انخفاض احتياطيات البنك المركزي وغياب حل في الأفق. ويعمل المشرعون على نظام البطاقة التموينية الذي من شأنه أن يمنح حوالي 500 ألف أسرة فقيرة ما بين 93 و137 دولارا في الشهر. وسيؤدي إلى إعانات أقل وأسعار مرتفعة للغاية إذا تمت الموافقة عليه.

أما بالنسبة إلى سائق التاكسي عرب فهو يعيش حالة انشغال مردّها الخوف من فشل الحلول المؤقتة وتفاقم الأزمة. وقد اضطر مؤخرا إلى إصلاح كوابح سيارته، وكان محركه بحاجة إلى قطعة غيار. وكلفه ذلك أكثر من ضعف الحد الأدنى للأجر الشهري في لبنان.

وأردف قائلا “أتمنى أن تُتاح لي الفرصة للمغادرة، فهذا البلد غير قابل للعيش”.