كتاب يستعيد علاقة جبران وميخائيل نعيمة

جمعت بين الأديبين جبران خليل جبران وميخائيل نعيمة صداقة عميقة ترجمها نعيمة بتحفة فنية في أدب السيرة قلّ نظيرها في المكتبة العربية وثق فيها مسيرة مؤلف كتاب “النبي” الحياتية والأدبية.

ويثبت رواج كتب السيرة أنه ليس أحب إلى قلوب القراء عامة، من سيرة الأدباء والعظماء. وليس أحب إلى قلب القارئ العربي خاصة من سيرة كتابه المشهورين وأدبائه النابهين وأعلام تاريخه البارزين.




يُورد الكتاب مختارات متنوعة من كتاب نعيمة “جبران خليل جبران” والذي صدر سنة 1936 تُظهر الفهم العميق من نعيمة لروح صديقه ونقائها قبل فهمه لأدبه

وتحظى السيرة بأهمية مضاعفة حين تروي حياة الشخصية ببراعة تمزج الذاتي والفكري والتاريخي بالأسلوب المثير، كما نجدها في كتاب “جبران خليل جبران” الذي ألفه ميخائيل نعيمة حول واحد من أهم وأبرز الأدباء العرب، حيث قدم فيه صورة رائعة لشخصية جبران وأدبه منذ ولادته في بشري حتى وفاته في نيويورك، رسمها بأسلوب لم يخل من حميمية الصداقة والرفقة في “الرابطة القلمية”. كتاب أثار من الاستغراب والدهشة، بمقدار ما حمل إلى قرائه من أسرار ومتعة أدبية وفنية لا تجارى.

إنه وثيقة تاريخية وكشف أدبي لحياة جبران ولقلم نعيمة في آن، وهو قبل كل شيء تحفة فنية في أدب السيرة قل نظيرها في المكتبة العربية والعالمية.

وكما يبين الناقد إبراهيم العريس فإن الملاحظة الأولى التي يخرج بها القارئ عند انتهائه من قراءة كتاب “جبران خليل جبران” لميخائيل نعيمة تتعلق بمقدار ما استعمل هذا الأخير ميزان صائغ أمين، في كتابته عن صديقه وابن بلده جبران ورفيق قلمه، ذلك النص المدهش الذي، حتى وإن كان قد كتب قبل أكثر من ثمانين عاما، لا يزال حتى اليوم المرجع الأفضل والأكثر دقة في تناوله، إن لم يكن سيرة جبران، فعلى الأقل تفاعل كاتب كبير مع سيرة حياة كاتب كبير آخر.

ويبيّن العريس أن نعيمة الذي نشر كتابه بعد أقل من ثلاث سنوات على رحيل جبران، أقر بذلك ولم يدع أنه إنما كان يتطلع إلى كتابة سيرة صاحب “النبي”، بل إلى نوع من “جبران كما عرفته” و“جبران على لسانه”.

ولا يخفي نعيمة في مقدمة كتابه أنه تردد كثيرا قبل تدوين سيرة جبران، يقول “لست أؤمن أن في الناس من يستطيع أن يصف حياته حتى لحظة واحدة بكل ما فيها من معان مشتبكة بمعاني الحياة الكونية”.  ويضيف نعيمة “أما أعماق الإنسان وآفاقه فأبعد وأوسع من أن يتناولها قلم أو يستوعبها بيان”.

وفي استعادة لهذا الكتاب المهم في تاريخ الأدب العربي، من حيث كشفه لا لشخصية جبران فقط بل لمرحلة مهمة من مراحل الأدب العربي الذي بدأ تطوره الكبير في المهجر مع الرابطة القلمية، اختارت الهيئة العامة السورية للكتاب ضمن سلسلة ثمرات العقول إصدار كتاب “المختار من جبران خليل جبران لميخائيل نعيمة” إعداد الدكتورة منى محمد علي داغستاني للإضاءة على هذه الصداقة الفريدة وما أثمرت عنه من نتاج مبدع للمكتبة العربية.

ويبدأ الكتاب بإلقاء الضوء على حياة نعيمة كأحد أبرز أعلام الفكر والأدب العربي الحديث والمعاصر من خلال نشأته وحياته ونتاجه الإبداعي الغني وعلاقته بجبران الذي نتجت عنه سيرة ذاتية وثق فيها حياة هذا الأديب الذي لقّب بـ”الملاك الثائر”.

ثم ينتقل الكتاب للتعريف بسيرة جبران وأبرز منجزاته وتأسيسه للرابطة القلمية، التي تعتبر أشهر جمعية أدبية عربية وقد جمعت العديد من الأدباء والشعراء الذين هاجروا إلى أميركا الشمالية والجنوبية منذ نهاية القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين.

بدأت فكرة الرابطة القلمية عام 1916 إلا أنها تأسست رسميا عام 1920 في نيويورك من قبل بعض كبار الأدباء والشعراء العرب في المهجر وعلى رأسهم جبران خليل جبران، إيليا أبوماضي، نسيب عريضة، ميخائيل نعيمة وغيرهم وذلك بعد جلستين جمعت أولئك الأدباء مع آخرين، الأولى كانت في منزل عبدالمسيح حداد والثانية في منزل جبران بحضور الأدباء الذين حضروا الجلسة التمهيدية وتمت الموافقة على دستور الجمعية وانتُخب جبران عميدا لهذه الرابطة القلمية، وميخائيل نعيمة مستشارا لها والخازن وليم كاتسفليس.

وقد تميز نتاج هؤلاء الأدباء بكثرة التأمل في أسرار الحياة والوجود إضافة إلى التعمق في الذات الإنسانية والنفس البشرية وتعلقهم بأوطانهم، وكذلك فقد تميّز نتاجهم باستخدام الرمز في تعبيراتهم، إلا أن عمر الرابطة لم يطُل فقد انحلّت وتفككت بمجرد موت جبران خليل جبران عام 1932.

السيرة تحظى بأهمية مضاعفة حين تروي حياة الشخصية ببراعة تمزج الذاتي والفكري والتاريخي بالأسلوب المثير

وتطرقت الكاتبة علاوة على تفاصيل الرابطة القلمية التي أوردها نعيمة بدقة إلى أبرز أعمال جبران الأدبية. ويُورد الكتاب مختارات متنوعة من كتاب نعيمة “جبران خليل جبران” والذي صدر سنة 1936 تُظهر الفهم العميق من نعيمة لروح صديقه ونقائها قبل فهمه لأدبه.

ويذكر أن الدكتورة منى محمد علي داغستاني من مواليد محافظة دمشق 1970 تحمل درجة الدكتوراه في اللغة العربية وآدابها تدرس في جامعة دمشق وكلية الآداب الرابعة بالقنيطرة، نشرت عددا من الأبحاث والمقالات في مجالات ودوريات محكمة داخلية وخارجية.