الحريري يسابق باسيل.. والاعتذار يجابه العقوبات

يوماً بعد يوم وأزمة تأليف الحكومة اللبنانية تراوح مكانها منذ أكثر من ثمانية أشهر ونيف، فما أن يلوح في الأفق بريق أمل بانفراج سياسي، سرعان ما تبرز مواقف وممارسات تُقصي بريق الأمل، وخاصة أن رئيس التيار الوطني الحر جبران باسيل بات يفضل الفراغ والانفجار عن الإتيان بسعد الحريري وخاصة عبر ندائه الشهير بالاستعانة بحزب الله وأمينه العام في محاولة استقواء جديدة يضيفها باسيل لسجل علاقته مع نبيه بري.

وبرغم تلبية الحزب دعوة باسيل بالاستعانة بصديق، لكن الواضح أن الحزب إياه لن يذهب بالولوج إلى الحد الذي يجعل الآخرين يحمّلونه مسؤولية الفشل بتليين موقف باسيل، لذا فإن الأمين العام للحزب لم يبادر إلى تلزيم حزبه مسؤولية إقناع طرف أو الضغط على حليف بقولته الشهيرة: إن تفسيرنا للحق يمكن أن يضعنا في لحظة ما في موقع غير محايد، أي أن يضطر لقول كلمة الحق، وقال إن حزبه يمكن أن يقبل لنفسه ما لا يمكن أن تقبل به أغلبية الأحزاب اللبنانية لنفسها.




لكن الحقيقة أن المفاوضات التي بدأها بري توقفت منذ خطاب باسيل الشهير وقولته الشهيرة: “بري وسيط غير نزيه”، بالمحصلة فإنه لا تطورات قد تخرج الحكومة من زنزانتها على الرغم من تكرار نصرالله دعمه لمبادرة بري على الرغم من الحديث الدائر عن نية الحريري الاعتذار بانتظار لحظة مناسبة تفي بالغرض وتحصد للرجل تعويضاً عما خسره سياسياً وشعبياً ودولياً.

هل يعتذر؟ كيف بدأت القصة؟

لنعُد لبداية قرار الاعتذار الشهير، أي منذ 3 أسابيع؛ حيث وصل سعد الحريري لقناعة راسخة تقول إنه لا يمكن الاستمرار مع ميشال عون وجبران باسيل والتعايش معهما، فهما لا يحبذانه رئيساً للحكومة، وكل ما يجري من شروط وسقوف مرفوعة هو ترجمة فعلية لذلك، وهناك من يهمس للحريري بالقول إن باسيل بات يفضل الإبقاء على حسان دياب، بدليل أنه أعاد وصل ما انقطع مع ساكن السرايا، معطوف عليه حضور باسيل النشيط والمكثف في اللجان النيابية في الآونة الأخيرة، ومطالباته بتمرير قرارات مستعجلة للحكومة المستقيلة مرتبطة باقتراحات قوانين يقدمها باسيل وكتلته النيابية، وهذا وفق مطلعين يتماهى مع فرضية إطالة عمر حكومة تصريف الأعمال وصعوبة ولادة حكومة جديدة.

عندما حزم الحريري أمره تواصل مع رؤساء الحكومات السابقين وأطلعهم على نيته بالاعتذار والذهاب للمعارضة والتحضير لجولة الانتخابات النيابية والتي باتت كل الأحزاب تتحضر لها، رفض رؤساء الحكومات طرحه وطالبوه بالصمود وعدم تقديم ورقة اعتذاره هدية مجانية لجبران باسيل، وخاصة أن هناك التفافاً سياسياً حول الرئيس المكلف، وأن الجميع بات يدرك أن المسؤولية تقع على عاتق عون، والذي يرفض كل طرح أو مبادرة تقدم له.

وصلت أنباء نية الاعتذار للرئيس نبيه بري، والذي بدوره قال للحريري هاتفياً: إن اعتذاره يشكل طعنة له، وخاصة أنها ستكون المرة الثانية دون التشاور معي، موضحاً للحريري أنه دخل بمعركة وجودية مع عون وباسيل بسببه هذه المرة، قبل الحريري على مضض، لأنه بات يدرك أن خسارة بري لا تعوض داخلياً بأي حليف آخر، وخاصة أن السوريين والسعوديين منزعجون من بري لتمسكه بسعد الحريري.

الأكيد حتى اللحظة أن الحريري يردد في مجالسه وأوساطه المغلقة أنه ينوي الاعتذار ولن يستكمل هذا المسار ويريد من هذه الخطوة ضرب عصافير متعددة في حجر واحد:

أولاً: التحضير لمنازلة باسيل في الانتخابات والفوز، مستخدماً خطاب الصلاحيات والانقلاب على الطائف، والقول إنه زعيم السنة بالتفاف وجهائها وفعالياتها حوله وبدون دعم خارجي.

ثانياً: الاعتذار قد يفتح باباً لسعد الحريري لإعادة وصل ما انقطع مع السعوديين، وأنه قد يكون فرصة متاحة له ليبدأ بفتح صفحة جديدة مع السعودية، وتصحيح بعض الأخطاء التي تعتري علاقته بها. في ظل مساعٍ مستمرة من قِبل وسطاء لبنانيين وعرب لمصالحته مع المملكة في ظل حديث عن جهود قطرية ومصرية لدى السعوديين لاستقبال الحريري والسماع منه مجدداً.

ثالثاً: وصلت لمسامع الحريري خلاصة اجتماع وزيري خارجية الولايات المتحدة وفرنسا في باريس، وأن الجانبين قررا إجراء محاولة أخيرة لتشكيل الحكومة سريعة توقف الانهيار والفوضى، وإلا فالحل سيكون بالإجراءات القاسية، لذا ووفقاً للعديد من المطلعين، فإن الرجل سيحط رحاله في بيروت قريباً وسيعكف على إعداد تشكيلة من 24 وزيراً، بالتنسيق مع بري وفق المعايير التي وضعها مسبقاً، ثم سيبادر لأخذ موعد من عون في قصر بعبدا ويعرضها عليه، والذي يفترض أن يرفضها أو يطلب تعديلات عليها، حينها يعود الجميع لنقطة الصفر، ويعود خطاب تقاذف التهم بين الطرفين، يضطر الحريري لتقديم اعتذاره بكلمة متلفزة إلى اللبنانيين، يضع فيها النقاط على الحروف، ويحمِّل رئيس الجمهورية وجبران مسؤولية التعطيل، ويجنب نفسه الجلوس في منزلة باسيل على لوائح العقوبات الأمريكية – الأوروبية المشتركة الجاري دراستها.

وبحسب العارفين، فإن أوساطاً دبلوماسية يقولون لكل من يلتقيهم متوسطاً لسعد الحريري إن الرياض ما زالت تشكك في نية الرجل الاعتذار، وإن هذا الأسلوب بات ممجوجاً ومكشوفاً، وإن الجانب السعودي بات مقتنعاً بأن الحريري لن يسلم بسهولة حتى يتأكد من قرب الانتخابات ونية المنظومة إجراءها فعلياً، ووفقاً للعارفين، فإن لقاء بلينكن ولودريان معطوفاً عليه مواقف وزراء خارجية الإتحاد الأوروبي وبريطانيا، يدرس جدياً إذا ما كان اعتذار سعد الحريري من مصلحة المبادرة الفرنسية، وهذا الطرح بدأ يلقى رواجاً لدى الدول المؤثرة (باستثناء موسكو والقاهرة)، وأن الطرح بات مغايراً وهو بالذهاب لتشكيل حكومة مصغرة هدفها الأساسي إدارة انتخابات نيابية يكون لزاماً تسمية رئيسها عبر بيت الوسط وبموافقته، وقد يخفف اعتذار الحريري من عقدة عون وباسيل تجاه الحريري.

خوف باسيل المتجدد.. شروط الحريري “مقتلة”

يعتقد المراقبون أن هناك قناعة ثابتة لدى القصر الجمهوري ومن خلفه التيار الوطني الحر بضرورة الإطاحة بسعد الحريري بالضربة القاضية من مهمة تشكيل الحكومة، ودفعه للخروج مرغماً، باسيل أبلغ حزب الله لقاءه الأخير مع وفيق صفا أنه لن يتمسك برئيس حكومة، السعوديون لا يريدونه والدول لم تعد متحمسة له، وعلى الرغم من رد صفا بأن الأمر نفسه مرتبط بباسيل، ويبرر باسيل أن التوقيع العوني على مراسيم الحكومة يعني رهن مصيره السياسي فيها في ظل ملفات مهمة واستحقاقات قادمة أبرزها إدارة الانتخابات البرلمانية والبلدية، والتعيينات الإدارية الشاغرة في الفئة الأولى، وهي قضايا بحاجة لأغلبية التصويت في مجلس الوزراء، وإذا ما تشكلت حكومة بشروط الحريري، فيعني ذلك تمكن الأخير من فرض ما يريده بقوة حكومة هو من اختار أغلبية أعضائها.

تفاهمات دولية وإقليمية قادمة

وفق مرجع سياسي من الصف الأول، فإن الجميع بانتظار تفاهمات جارية في المنطقة بين الأمريكيين والإيرانيين من جهة وبين السعوديين والإيرانيين من جهة أخرى، وأن الأمريكيين في نهاية المطاف فوضوا باريس للعمل في الساحة اللبنانية بزخم أكبر، لكن واشنطن ستجاري عن قرب حركة الفرنسيين، وستعمل على تقديم الدعم اللازم لها، وذلك لتكريس خارطة نفوذ إقليمية جديدة في المنطقة والبحر المتوسط، والتي لن تكرس في نهاية المطاف حضوراً حقيقياً ورسمياً لإيران على الساحل اللبناني.

ووفقاً للمرجع، فإن نقاشات بلينكن-لودريان في باريس ستستكمل بالزيارة الرسمية التي سيجريها الأخير إلى واشنطن 14 يوليو/تموز القادم، وأبرز بنود جدول الأعمال هو الملف اللبناني، وأن زيارة رأس الدبلوماسية الفرنسية لواشنطن هي تمهيد لزيارة ماكرون بداية سبتمبر/أيلول القادم، والتي سيكون لبنان المائدة الدائمة لها، وبحسب المرجع فإن ماكرون سيطرح على بايدن فكرة تشكيل لجنة لمراقبة الانتخابات النيابية خوفاً من تكرار اللعب بالنتائج، والتي جرت بالاستحقاق السابق لمصلحة البعض، بالإضافة لشعور الأوروبيين بأن حزب الله لن يقف ساكتاً عن مصادرة الأغلبية التي منحت له دون حصوله على ضمانات أخرى.

يعتقد المرجع أنه وفي نهاية المطاف سيحصل اتفاق كبير يسمي السعودي رئيس الحكومة -الحريري أو غيره- ويوافق الإيراني عليه، وبالمحصلة فإن الفرنسيين والأمريكيين سيسهمون بتشكيل حكومة قادرة على إخراج لبنان من الكماشة الروسية المبتدئة في تأهيل خزانات النفط في البداوي وغير المنتهية بالتنقيب عن النفط في البلوكات 4 و9 في المياه اللبنانية.


عربي بوست