غليان الشارع ليس سبباً بل نتيجة

علي حمادة – النهار

ما حصل في الشارع، وما حصل في طرابلس البارحة، وما سيحصل في المدى المنظور يعكس غليانا كبيرا تشهده البلاد منذ بضعة أسابيع، وهو ناجم عن حالة من الغضب الشعبي الكبير مما آلت اليه أمور الناس، وظروفهم المعيشية المروعة والتي ما برحت تنزلق نحو “جهنم” حقيقية حيث لا يلوح في الأفق بصيص نور. غليان كبير، لا بل ان الناس بلغت حد الانفجار من شدة المعاناة، في وقت لا نزال نرى المسؤولين المعنيين في الحكم يواصلون معاركهم العبثية، لا بل التافهة على صلاحيات من هنا، وحصص من هناك، فضلاً عن معارك شرسة تدور على تخوم التنافس التافه على رئاسة جمهورية صارت هي والبلاد مجرد أشلاء.




يمثل احتمال انفجار الأرض في طرابلس نتيجة طبيعية للازمة المالية والاقتصادية المخيفة، كما ولتحلل الدولة بمعظم مؤسساتها، وانهيار صدقية الطاقم الحاكم بشكل عام. فليس من المستغرب ان ينفجر شارع جائع في كل اتجاه، وان يتحدى آلة النظام المتمثلة بالجيش، وبالاجهزة الأمنية.
فالازمة المهولة لا تواجَه بانتشار العسكر، ولا باجتماعات مضحكة تحصل في القصر الجمهوري تحت عنوان المجلس الأعلى للدفاع، لتتخذ فيه قرارات فوقية، وليسمع المواطن كلاما لرئيس الجمهورية يستنكر فيه طوابير الذل امام المحطات، ويصدر تعليمات للأجهزة الأمنية.

الازمة تعالَج بمسبباتها لا بنتائجها، وبالطبع لا تعالج من خلال الامن وحده. فقطع الطرق ليس السبب في مأساة اللبنانيين، ونزول شبان بعضهم مسلح في أحياء من طرابلس ليس السبب في ما يعانيه كل لبناني ولبنانية، ولا هو من فعل أجهزة، او جهات تحاول ضرب الامن في لبنان وحده. ما حصل ويحصل، وربما سيحصل مستقبلا في طرابلس، هو نتيجة للجريمة الكبرى التي ارتُكبت بحق اللبنانيين، فدفعت بهم الى “جهنم”، وفتحت الباب على مصراعيه لتتسلل جهات مشبوهة من هنا وهناك، مستغلة مأساة الناس.

لكن “الجهات” لا تواجَه بآليات عسكرية، ولا ببيانات رئاسية فوقية، ولا بمواقف سياسية او إعلامية تسعى الى رمي طرابلس بشتى النعوت والتهم. ان الانهيار والتحلل الحاصلَين اليوم، لا يمكنهما إلا ان يؤديا الى حصول مزيد من القلاقل الأمنية، والتوترات على الأرض. وانهيار الدولة، ومؤسساتها على اكثر من صعيد، وتلاشي حقوق المواطن على كل المستويات، مؤداها ان يلجأ الأخير الى أساليب كانت رائجة ابان الحرب الاهلية بين 1975 و1990، وخصوصا ان الطاقم الحاكم الذي سرق منه مستقبله، ومستقبل أولاده، يرفض ان يكتفي بما فعل، بل انه يمعن من خلال هذه المسرحيات التي تشهدها ساحات تناتش الحصص، وما بقي لهم من المكاسب والمناصب الوهمية، في إدامة حياة الذل التي يعيشها.

بناء على ما تقدم، نقول ان لبنان بحاجة الى تغيير جذري، وان على اللبنانيين ان يتخذوا قرارا كبيرا بفرض التغيير الشامل ليس في صناديق الاقتراع في الانتخابات النيابية المقبلة، بل الأهم ان يدخل التغيير في وعيهم السياسي، وان يقتنعوا بان الطاقم الحاكم إياه حان أوان تبديله بقيادة جديدة مختلفة تماما.