هل يشبه مسيحيّو لبنان البلد الذي يتباكون عليه؟

غسان الحجار – النهار

كتبتُ الأسبوع الماضي مقالة بعنوان “هذا اللبنان لم يعد يشبه مسيحيّيه”، وبعيداً من تعليقات عبر وسائل التواصل الاجتماعي، معظمها لم يفهم اصحابها المعنى الحقيقي، فإن تعليقاً ذكيّاً جاءني من صديق “درزي” مثقّف ومُنفتح، (اتحفظ عن ذكر اسمه وهو شخصية ناشطة اجتماعيا) وجّه إليّ سؤالاً: وهل لا يزال المسيحيون يشبهون لبنان؟ وقد أثار السؤال لديّ جانباً آخر من التفكير، يحمّل المسيحيين في الوقت عينه مسؤولية تغيير وجه لبنان، إذ إنهم لم يحافظوا عليه كما يجب، بل ساهمت صراعاتهم، وخصوصاً تنافسهم، بل حروبهم على كرسي قصر بعبدا، في إضعاف الجمهوريّة كلّها.




معه حق صديقي “الدرزي” (والوصف هنا معيب) في أن المسيحيين حالياً لا يشبهون لبنان. هذه الطبقة السياسية لدى المسيحيّين أصبحت ضحلة إلى حدّ متقدم. هذه الطبقة تفتقد المشروع والقضية والرؤية والرؤيا، ويتراجع دورهم ليس فقط في حدود لبنان الكبير، وإنما في العالمين العربي والإسلامي، وفق ما أوصى به الارشاد الرسولي “رجاء جديد للبنان” الذي أعاد تشجيع مسيحيّي لبنان والشرق على التفاعل مع محيطهم في العالم العربي الذي يُشكّل لبنان جزءاً منه.

المسيحيون كانوا في أساس نهضة هذا العالم العربي، حافظوا على حضارته، ولغته، ولا سيما الآباء اليسوعيّين، وكانوا رواد العلمنة، ورواد العروبة، ومنهم مَن أسّس الحزب السوري القومي الاجتماعي، وحزب البعث العربي الاشتراكي، ونشطوا في صفوف الحزب الشيوعي، تلك الأحزاب التي تخطّت الحواجز الدينية والطائفيّة، وأيضاً الجغرافيّة. ثمّ جاء مسيحيّو اليوم بمفهوم عصري جامع لكنّه يضرب تاريخهم، إذ يتحدثون عن مشرقية تجمع الإتنيات من الاقباط والسريان والأرمن والأكراد والاشوريين والكلدان واليهود والصابئة، إضافة إلى العرب مسيحيّين ومسلمين، لكنه بدا كأنه تصدٍ لمفهوم العروبة الذي بسقوطه (المقصود والمدبّر) تنامت الاصوليات والاتنيات المتشددة التي ترفض الآخر والحوار معه، ومفاهيم غريبة عن ناسنا ومجتمعنا وتاريخنا.

والمسيحيون الذين أسّسوا أول مطبعة سريانية، وعربية، في هذا الشرق، كانوا رواد الشعر والأدب والصحافة، وهل يُنسى جبران خليل جبران، وميخائيل نعيمة، ومي زيادة، ومارون عبود، وأمين الريحاني؟

والمسيحيّون الذين كانوا في أساس قيام دولة لبنان الكبير عرف تاريخهم الحديث فؤاد شهاب، وكميل شمعون، والياس سركيس، وريمون إده، وفؤاد بطرس، وغسان تويني، وشخصيات كثيرة لا تقل شأناً ولا تُحصى في مقالة.

هؤلاء المسيحيّون تبدّلوا في العالم اليوم، لم يعودوا الإشعاع الفكري، ولا التميّز الأدبي، ولا التقدم العلمي، ومعهم تبدّل وجه لبنان، وهذا لا يعني تقليلاً من شأن شركائهم في الوطن، من علماء جبل عامل، والأمراء الشهابيّين، وكبار الأعلام في القانون والفكر، ومنهم قلائل على قيد الحياة، شأن حسن الرفاعي وحسين الحسيني وبهيج طبارة…

مسيحيو اليوم المتلهّون بصراعاتهم العبثيّة، وبشعاراتهم الرنّانة، وهمومهم الوراثيّة، واستعراضاتهم غير المُقنعة، وتلهّيهم بالقشور، ما عادوا يشبهون لبنان وفق وصف صديقي، وهو محق في قوله.

ليس الهدف الوقوف على الأطلال، او جلد الذات، بل مراجعة واقعية، تماشياً مع دعوة البابا فرنسيس الى اللقاء من اجل لبنان اليوم في الفاتيكان، ونفض غبار الماضي والتطلّع الى مستقبل يبدو مظلماً، لكن ظلامه ليس قدراً محتوماً.