نفط إيران ورقة سياسية احترقت لبنانيّاً؟

مجد بو مجاهد – النهار

تحوّل مقترح استيراد البنزين من #إيران في الأيام الماضية إلى مادّة استهلاكية من الشعارات والوعود الخياليّة غير القابلة للاشتعال أو تسيير السيارات على أرض الواقع اللبنانيّ، في وقت ركّز خبراء لبنانيون في شؤون النفط على تصريح المتحدث باسم الخارجية الإيرانية #سعيد خطيب زادة الذي قال إنه في “إمكان لبنان أن يكون واحداً من البلدان التي يتمّ تزويدها بطاقات ايران في مجال توفير الطاقة”. لكن ما لفت الخبراء اللبنانيين، تمثّل في جملة قالها زادة في مؤتمره الصحافي: “متى طُلِب منا ذلك سندرسه بجدّية”، بما فُهم لبنانياً بأنه على الحكومة اللّبنانية الطلب رسميّاً استيراد البنزين من إيران، بما يحوّل “العرض الإيراني” من خدماتيّ إلى سياسيّ بحت مرتبط بتخطي العقوبات الدولية وتحويل لبنان الدولة إلى منصّة رسمية لدعم الخطّ الإيراني.




ولا يمكن إغفال ما يترتّب على هذا الفعل من عقوبات تطال أي شركة خاصّة في لبنان تأخذ على عاتقها تخزين البنزين الإيراني أو أي محطة وقود تبيع نفط طهران في خزّانات سيّارات اللبنانيين، بما يشير إلى استحالة تحويل هذا المقترح إلى “حقيقة” على مقلبي القطاع العام أو الخاص لما له من تأثيرات سلبية على الصعد السياسية والاقتصادية. وفي وقت كانت زعمت السفارة الإيرانية في لبنان “وصول ناقلات النفط الإيرانية إلى بيروت”، وهو ما نفته وزارة الطاقة اللبنانية في تأكيد مصادرها “عدم وجود أيّ طلب رسميّ لدى وزارة الطاقة بشأن دخول نفط إيراني إلى لبنان”، إلا أنّ خبراء لبنانيين في شؤون النفط يتخوّفون من أن يعمد “#حزب الله” إلى استيراد البنزين من طهران لاستعماله الخاص ويعمل على تخزينه أو توزيعه في شركات أو محطات لمصلحته الشخصية.

ماذا يمكن أن يُفهم من الخطاب الذي يُكرّر نفسه في إعلام محور “حزب الله” من خلال التسويق المستمرّ لمعادلة استيراد النفط الإيراني مقابل الليرة اللبنانية؟ تستقرئ مصادر سياسية معارضة لمحور “الممانعة” أن المواقف المطلقة في هذا الإطار تسويقية – سياسية أكثر منها خدماتيّة، غايتها مخاطبة القاعدة الشعبية ومحاولة التخفيف من وطأة المسؤولية التي يتحمّلها “حزب الله” في موضوع الانهيار والظهور في موقع الذي يمتلك خيارات أخرى من جهة، ودفع لبنان أكثر باتجاه المحور الإيراني في كلّ مرّة تسنح الفرصة للإفادة من الانهيار في غياب تشكيل حكومة إصلاح من جهة ثانية.

في المقابل، ما هو الحلّ العلمي والعملي الذي يمكن أن ينتشل لبنان فعلياً من “جهنّم” واقع القطاع النفطي والكهربائيّ؟ لا تزال الأزمات المسيطرة على قطاعي فيول الكهرباء والبنزين هي نفسها رغم طلب سلفة 200 مليون دولار استثنائياً لشراء الفيول على أمل الزيادة في تغذية التيار الكهربائي، وهذا ما لم يحصل عمليّاً بحسب تقويم الخبراء النفطيين الذين يعزون ذلك إلى محاولة الاحتفاظ بالقدر المستطاع من الفيول للمرحلة المقبلة، فيما يؤدي استهلاك كامل المخزون إلى الاتجاه لطلب سلفة أخرى تُصرف من الاحتياطي الإلزامي مجدّداً طالما ألا مورد آخر لتأمين المبلغ. ولم ينعكس رفع الدعم جزئيّاً عن استيراد البنزين وبيعه استناداً إلى سعر صرف 3900 ليرة مقابل الدولار، حلّاً للأزمة التي لا تزال قائمة في وقت يُعيد مراقبون ذلك إلى الشح في الأموال وغياب الحلول الجذرية، من دون أن يستبعدوا اعتياد المواطن التدريجي على ارتفاع أسعار البنزين بما يُشبه الاعتياد على ارتفاع سعر ربطة الخبز، في مرحلة باتت تشهد على اقتراب نهاية الأموال وضرورة الاتجاه إلى السوق السوداء لشراء العملة الصعبة. ويُطلقون اسم “الإجراء الترقيعي” الذي لا يمكن أن يستمرّ طويلاً على عملية بيع البنزين وفق سعر صرف 3900 ليرة، مع الإشارة إلى أن تشجيع الحكومة المغتربين والسياح لزيارة لبنان في فصل الصيف سيزيد ضغط الطلب على المحروقات والكهرباء والمأكل والمشرب.

أيّ خلاصة ترسم طريق الحلّ في قطاع النفط إذاً؟ تقود الإصلاحات إلى بنود تضمّنتها خريطة طريق مبادرة الإنقاذ الفرنسية لجهة استئناف المفاوضات مع صندوق النقد الدولي والموافقة على الإجراءات التي طلبها من جهة، وتنفيذ 4 بنود متعلقة بقطاع الطاقة والكهرباء لناحية تعيين الهيئة الناظمة لقطاع الكهرباء وإطلاق استدراج عروض لمعامل توليد الكهرباء بواسطة الغاز، والتخلي عن معمل سلعاتا بصيغته الحالية، ووضع جدول زمني لرفع التعرفة بطريقة تدريجية. ويتطلّب الإصلاح سياسة حكوميّة جدّية تستطيع تلبية الاحتياجات بعيداً عن منطق الترقيع في قطاع البنزين من خلال مباشرة الإصلاحات والعمل مع صندوق النقد الدولي، بما يساهم في استقطاب المستثمرين ووضع القطار الاقتصادي اللبنانيّ على سكّة المعالجة.