لبنان بلد غير آمن – نايلة تويني – النهار

يقول مسؤول أمني في مجالسه إن #لبنان من اكثر البلدان أماناً، اذ ان كل بلد آخر في ظروف مشابهة لتلك التي يعيشها لبنان، مع وجود نحو مليونَي لاجىء على ارضه، ما بين فلسطينيين وسوريين، كان لينفجر أمنياً ويتخبط في تفاقم الجرائم اليومية، فيما أعداد الجرائم لا تزال ضمن الحد الادنى القبول لاعتبار لبنان بلداً آمناً.

واذا كان ما يقوله صحيحاً جزئياً، ولا تزال حوادث السرقة والسطو، وجرائم القتل والاغتصاب وما شابه، قليلة نسبياً، في الظروف القائمة، فان #الامن لا يقتصر على تعداد الحوادث والجرائم، لان الامن أنواع وأشكال، منها الامن الاجتماعي، والامن الصحي، والامن البيئي، والامن التربوي، وهي تترافق مع الامن العسكري لتوفر حياة آمنة للمواطنين في اي دولة كانوا. فالانظمة العسكرية والديكتاتورية وفّرت لشعوبها هدوءاً أمنياً فسجنت وأعدمت كلّ مخلّ بالامن، لكن المتنعمين بالامن، لم يشعروا يوماً بالأمان، اذ كانوا يتخوفون من ان يكون نصيبهم السجن والاعدام امام محاكم عسكرية وميدانية لا تراعي الحد الادنى من احترام القوانين والشرائع الدولية.




لا يكفي ان يكون الامن سائداً في الشارع، وإنْ كان ضرورياً لجذب الاستثمارات والسياح، وإنما الاستقرار القانوني والسياسي والاجتماعي هو الضمان الحقيقي لكل استثمار وسياحة.

لبنان حالياً يفتقد كل انواع الامن، حتى العسكري منه، ما دام التهريب قائماً على قدم وساق على الحدود مع سوريا، ولا جهاز قادراً على التصدي له، وما دام السلاح يعبر من دون رقيب تحت غطاء “المقاومة”، وما دامت بعلبك تعيش لياليَ من اطلاق النار والقذائف ما بين العشائر والعائلات، وما دامت طرابلس تتفلت من حين الى آخر، وطرق العاصمة والمطار تُقفل، وما دام التحقيق في انفجار المرفأ لم يبلغ نهايته بعد، ولا تحمَّل جهاز امني المسؤولية عما حدث.
لكن الاسوأ هو ان اللبناني الذي كان قابلاً بتجاوز هذه الامور، طالما انه يعيش في مستوى مرموق من الخدمات، بات يجد نفسه في مواجهة كل الآفات والمصائب والتجاوزات وضعف الخدمات بل نقصها معاً. يكفيه في هذه الايام الصيفية نفاد المازوت وبدء تقنين كهرباء المولدات، وتراكم النفايات في غير منطقة، والعذابات للحصول على دواء ضروري. وتكفيه الصفوف الطويلة امام محطات الوقود بما يحرق الاعصاب للحصول على البنزين بكميات محدودة.
واللبناني هذا بات يشعر أيضا بغياب الامن الصحي، لان المستشفيات أصبحت عاجزة عن توفير خدمات ضرورية وملحّة للمرضى، وترفض اجراء الفحوص الخارجية، ومثلها المختبرات الطبية.

واللبناني خائف على مستوى تعليم ابنائه، هذا المستوى الذي ميّز لبنان مدى الازمان، اذ ان نقص الفيول بات يهدد العام الدراسي المقبل لجهة التنقل اولاً، ثم التدفئة والانارة، ما يجعل التعليم من بُعد أمراً مطروحاً مجدداً وان كان غير مجدٍ تماماً.

واللبناني بات في وضع حرِج مالياً، سواء امتلك المال المحجوز، والمصادَر، بل المسروق، او لم يمتلك ما يسدّ به حاجاته المتفاقمة من جراء ارتفاع الاسعار على نحو جنوني. وهو غير قادر على استخدام امواله وجنى عمره، كما غير قادر على بيع ممتلكاته في مقابل شيكات مصرفية لم تعد سوى حبر على ورق.
واللبناني بات يفتقد الامن الغذائي ايضا مع افتقاد الاسواق الحليب وانواعاً من المأكولات لذوي الحاجات الخاصة، بل يخاف ان يفتش عن الخبز في حال انقطاع الوقود و#الكهرباء.

امام هذا الواقع المؤلم، فان اللبناني بات لا يشعر بأي امن ولا امان. وصار يفكر في كيفية جمع بعض المال تحت وسادته وفي خزائنه. وبات خائفاً من ان يؤدي تفاقم العوز الى ازدياد اعمال السرقة، فيخسر مقتنياته وما خبّأه أيضاً.

كل هذا والمسؤولون يتصارعون على المغانم والكراسي والحصص. كل هذا ولا يؤلفون حكومة. كل هذا ولا تجتمع #حكومة تصريف الاعمال. كل هذا ولا يخرج مسؤول لمصارحة الناس، او لا يجرؤ مسؤول على المكاشفة. كل هذا ولا يستقيلون. الامر الذي بات شبه اكيد هو ان كثيرين من المواطنين يستقيلون من التمسك بلبنان ويفتشون عن وطن بديل، وهذا مكمن الخطر.