اعتذار الحريري بعد إنهاء استعصاء العهد… وعون يتشدد لتعديل الدستور وصلاحيات الرئاسة!

ابراهيم حيدر – النهار

كل المؤشرات تدل على أن الأزمة السياسية مفتوحة على الفوضى. لا أحد من الأطراف يستطيع أن يشق طريقاً للحل عبر إخراج تسوية متوازنة أو الخروج من المشهد، فيما التناحر السياسي خنق البلد وأدى إلى تفلّت الشارع بلا ضوابط، وهو أمر كان متوقعاً في غياب قوى قادرة على تنظيم الاحتجاجات بعد إخفاق انتفاضة اللبنانيين التي تفجرت في 17 تشرين الاول 2019 وجرت مصادرتها ووُظفت أهدافها من أطراف السلطة. وعلى هذا يستمر الخلاف بين رئيس الجمهورية ميشال #عون ورئيس مجلس النواب نبيه بري، فيما حسم “حزب الله” وجهته عبر كلام أمينه العام حسن نصرالله بالتشديد على علاقته مع حركة أمل والحفاظ على تحالفه مع التيار العوني، ما يعني أنه يُمسك باللعبة من الجهة الخلفية، من دون أن يجيرها لطرف ضد آخر، ويتدخل انطلاقاً من حساباته عندما تدعو الحاجة، مجدداً التزامه مبادرة بري، وإن كان يركز على مساعي التهدئة بين الطرفين.




المشكلة الحقيقية في مسار الحل لا تزال تقف على أبواب القصر الجمهوري، فالمعركة المستمرة بين عون وبري لا تلغي الاستعصاء العوني الاول المتمثل برفض استمرار سعد #الحريري رئيساً مكلفاً لتشكيل #الحكومة، وهذا الاخير المتسلح بموقف مجلس النواب الذي جدد تكليفه في جلسته التي انعقدت لمناقشة رسالة عون، ينتظر تطورات في المشهد العام وما ستؤول إليه الاتصالات التي يجريها “حزب الله” مع العونيين لتحديد المسار الذي يسلكه في ملف الحكومة، وهو لا يزال يشكل العنصر الاهم في المعادلة القائمة، انطلاقاً من تصويب التيار الوطني الحر السهام عليه ورفضه من عون، ثم تمسك بري به وامتداداً موقف “حزب الله” الذي يدعم استمراره في التكليف. وعلى هذا لم يعد لدى الحريري تنازلات يقدمها لتسهيل التأليف وفق ما تنقل أجواء سياسية مقربة، فهو قدم كل ما عنده، فوافق على مبادرة بري وعلى التطعيم السياسي للحكومة، فيما كل الأمور عالقة عند رئيس الجمهورية الذي يرفض توقيع أي تشكيلة ما لم يؤخذ بشروطه لضمان ما كرّسه من صلاحيات أمر واقع خلال الفترة السابقة، وايضاً للاستمرار في الهيمنة على الحكم ونيل الثلث المعطل الذي يحسم القرار داخل الحكومة وتأمين المستقبل السياسي لرئيس التيار الوطني الحر جبران باسيل.

الاجواء في قصر بعبدا تشير إلى مزيد من التشدد لدى الرئيس عون وجبران باسيل، ذلك أنهما لم يتوقعا أن يكون موقف “حزب الله” على هذا القدر من الاحتضان لمبادرة نبيه بري، وأيضاً التمسك بالحريري، إذ غاب عن بال العونيين أن الحزب المتحالف مع عون لم يعد يحتاج كثيراً إلى التغطية على مشاريعه بعدما أدت وظيفتها داخلياً وإقليمياً، وهو المتمكن والواثق انطلاقاً من فائض قوته على تطويع الجميع وفي التأثير على حلفائه، لا بل أن نصرالله في خطابه الأخير أحرج باسيل، ودعاه إلى طي صفحة طلب تدخله مع بري وتغيير موقفه من دعم الحريري لرئاسة الحكومة. والتشدد العوني المستمر يعني أن لا حكومة مع سعد الحريري، وهو بالنسبة إلى عون معركة وجود طالما أنه صاحب التوقيع الأخير وهو لن يتخلى بسهولة عما حققه من هيمنة على القرارا الحكومي حتى لو سادت الفوضى وانفجر البلد، وفي هذا استعادة للممارسة السياسية خلال ترؤس عون للحكومة العسكرية في 1988 والتي أدت إلى هزيمته وإقرار اتفاق الطائف وسيطرة الوصاية السورية على لبنان طوال أكثر من 15 عاماً.

دخل الاستعصاء العوني في طوره الاخير، على الرغم من أن الخلاف وتناحر القوى السياسية والطائفية على السلطة أسقطا كل المبادرات الإنقاذية، لكن الواضح أن هذا الاستعصاء يزداد تصلباً في غياب أي اعتراض لبناني شعبي منظم على استخفاف الطبقة السياسية بالتحديات المصيرية التي يواجهها البلد. ويشير سياسي متابع إلى أن الازمة الحالية هي الاخطر في تاريخ البلد منذ تأسيسه، وذلك في ظل انسداد الأفق امام التسويات أو إخراج صيغ إنقاذية تتشكل من خلالها الحكومة وتستعيد المؤسسات دورها لوقف الانهيار. وفي ظل هذا الصراع تقدم التيار العوني كل الاستعصاءات وبات كل شيء أو أي حل مرتبط بمبادرات يقودها العهد، إن كان في تشكيل الحكومة أو غيرها. لكن أحد أسباب تشدد العهد واستعصاءاته لما تبقى من ولايته هو محاولته استعادة صلاحيات شبه مطلقة تتعلق أولاً بتغيير آلية الاستشارات النيابية لاختيار الرئيس المكلف وتشكيل الحكومة وعملها في آن، أي أنه يسعى لكسر توازنات اتفاق الطائف والتحكم بالسلطة التنفيذية وسحب بعض صلاحيات مجلس النواب، لحسم أيضاً اسم رئيس الجمهورية المقبل، وصولاً إلى تفسير الدستور والقوانين، وهذه الوجهة التي يعتبرها عون فرصة أخيرة لتياره بوجوده في رئاسة الجمهورية يستخدمها إلى أقصى الحدود على حساب البلد، ومن خلالها يستعصي على الحل ويريد سحب تكليف الحريري لاختيار اسم آخر يتدخل معه في تشكيل الحكومة وتركيبتها وتحديد مسارها.

أمام هذا الاستعصاء لا يجد رئيس الحكومة المكلف غير الاستمرار على موقفه بالتكليف أي لا تنازلات مجانية تؤدي الى تنصيب عون رئيساً للسلطة التنفيذية أي رئيساً فعلياً لمجلس الوزراء، ويدعمه في هذا نبيه بري الذي يرى أن موقف عون إذا جرى التساهل معه وتقديم تنازلات سيسحب أيضاً من صلاحيات مجلس النواب، بصرف النظر عن موقف “حزب الله” الذي لديه حسابات إقليمية ومتغيرة بحسب التطورات. وعلى هذا لن يعتذر الحريري الآن ولا في وقت قريب إلى أن تتغير الظروف، فلا يمكن للحريري الخروج من المشهد وترك معركة الصلاحيات وتشكيل الحكومة. وبحسب أجواء مقربة بات الحريري مقتنعاً أن لا مجال للتعايش مع عون في حكومة واحدة، لكنه لن يترك هذه الورقة ليتحكم بها العهد، ولذا قد يأتي الاعتذار بعد انهاء استعصاء عون واختناقه مأزوماً، ما يفتح الطريق للعودة إلى تشكيل حكومة بمعايير مختلفة قائمة على تسوية جديدة. أما استعصاء العهد، فيكبد المزيد من الخسائر، ويرتد أيضاً مزيداً من الخلل في التوازنات الطائفية. وعلى هذا رئاسة ميشال عون هي الأكثر انكشافاً عما حل بلبنان من تهشيم لبنيته وتجاوزات للدستور.