الخطر يتهدّد حيثية العهد وملاحظات للخط التاريخي للتيار على مقاربة باسيل «التضليلية»

على الرغم من التركيز على ضرورة تأليف حكومة داخلياً وخارجياً لوقف الانهيار في البلد والحدّ من الأزمات الخانقة اقتصادياً ومالياً ومعيشياً وخدماتياً، إلا أن الرهان على حكومة انقاذية بات ضعيفاً وصار الاهتمام يتركّز على تشكيل حكومة انتخابات تأتي بتغيير على مستوى الطبقة السياسية في ظل محاولة أفرقاء في المجتمع المدني توحيد صفوفهم لتحقيق تمثيل نوعي في المجلس النيابي، يُؤدي إلى ممارسة سياسية جديدة وإلى تغيير في السياسات الاقتصادية والمالية تنهي الفساد والمحاصصة التي أدّت إلى الانهيار الحالي نتيجة الهدر المالي والتوظيفات العشوائية والصفقات.

ولم يعد خافياً أن الأزمة الحكومية وتمترس كل طرف وراء شروطه وتعطيل الحلول يصبّ في خانة «شدّ العصب» الطائفي قبل موعد الانتخابات النيابية. وصار معلوماً أن التيار الوطني الحر يشهد أزمة على الساحة المسيحية وتراجعاً في قاعدته الشعبية بحيث تقدّمت عليه القوات اللبنانية نتيجة أداء وزرائها ونوابها وثبات رئيسها سمير جعجع على المبادئ وعدم تفريطه بالسيادة وعقد تفاهمات مع الدويلة على حساب الدولة، خلافاً لما دأب عليه التيار العوني الذي انقلب في نظر كثيرين وخصوصاً في نظر مؤسسين للتيار على برنامجه وخطّه التاريخي، بحيث انتقل من الخط السيادي إلى محور الممانعة.




ولم يتقبّل الشارع المسيحي ما خرج به رئيس التيار جبران باسيل في إطلالته الأحد الفائت وائتمانه أمين عام حزب الله على حقوق المسيحيين بعد «مزايداته»على جميع الأحزاب المسيحية، ليأتي ويحتكم مرة من جديد إلى من يحمل السلاح ويستقوي به، فيما حقوق المسيحيين بحسب الصرح البطريركي الماروني لا تختلف عن حقوق باقي اللبنانيين وهي تتأمّن عن طريق الدولة التي تبقى هي ومؤسساتها ضمانة المسيحيين. ومن المفارقة أن المسيحيين لم يتراجع حضورهم ولم تزد هجرتهم إلا عندما تولّى الجنرال ميشال عون السلطة سواء في عام 1988 أو في عهده الحالي، مع تسجيل تناقض غريب عجيب إذ أعلن الجنرال عون عام 1990 حرب الإلغاء ضد القوات اللبنانية بحجة أنها تقيم دويلة داخل الدولة، فيما هو يتحالف منذ انتخابه عام 2016 مع دويلة حزب الله على حساب الدولة.

هذا الانقلاب في توجّهات عون وصهره جبران باسيل دفع بالعديد من قياديي التيار إلى الاستقالة وتأليف نواة ما أطلقوا عليه تسمية «الخط التاريخي للتيار» الذي بموجبه حصد عون معظم المقاعد المسيحية في جبل لبنان وزحلة فور عودته في انتخابات عام 2005 مدعوماً من البطريرك الماروني الراحل مار نصرالله بطرس صفير الذي اعترض على التحالف الرباعي، مبدياً خشيته من استمرار وضع اليد على المقاعد المسيحية الـ 64 في المجلس النيابي. وقد قال يومها من على شرفته في بكركي أمام تظاهرة شعبية «أعطانا اتفاق الطائف 64 نائباً نريد 64 نائباً».

ويبدي قياديون سابقون في التيار العوني أسفهم لما آل اليه وضع التيار حالياً، وتعبّر أوساطهم عن «أسفها الشديد لمقاربة التيار الخاطئة والتضليلية اليوم وللتجييش الطائفي الذي يمارسه النائب باسيل والتخويف من المسلمين، ليصل به الأمر في النهاية إلى تسليم أمره إلى السيد نصرالله».

وتسأل الأوساط «هل يعلم باسيل أنه بتسليم أمره إلى نصرالله ينزع عن رئيس الجمهورية صفة الحَكَم ويجرّده من دوره؟ وكيف يحلّل لنفسه التحالف مع مَن يهاجمهم اليوم من المسلمين السنّة في انتخابات 2018 والإفادة من أصواتهم في بيروت الثانية وزحلة وخصوصاً في دائرة البترون والكورة حيث ترشّح وأخذ أصواتاً تفضيلية بفضل صديقه سعد الحريري؟ فهل كان التحالف يومها حلالاً واليوم بات تكليف الحريري حراماً؟ وما ينطبق على الحريري ينطبق على جعجع الذي عندما كنا بحاجة إليه لانتخاب العماد عون رئيساً نزوره في معراب ونعقد تفاهماً معه ونؤكد على طي الصفحة السوداء وحرقها، وعندما لم نعد بحاجة إليه نعود إلى الماضي وننبش القبور ونتهم من يجلس على تلة معراب بأنه مجرم وميليشيوي؟!».

وتستغرب أوساط القياديين السابقين في التيار «كيف يتحدّث باسيل عن حقوق المسيحيين وهو أكثر شخصية تشرذم المسيحيين؟ وتسأل «مَن انقلب على تفاهم معراب وعلى العلاقة مع القوات اللبنانية التي مهّدت الطريق لانتخاب عون ولإقرار قانون انتخابي يصحّح التمثيل؟ ولماذا العلاقة مقطوعة مع حزب الكتائب؟ وكيف هي العلاقة مع تيار المردة الذي يُعتبر حتى في صلب فريق 8 آذار/مارس؟ وأكثر من ذلك كيف هي العلاقة مع بكركي ومع بطريركها الحالي مار بشارة بطرس الراعي الذي لا يتوانى في كل عظة عن التأكيد على ضرورة تسهيل عملية تشكيل الحكومة وعدم التلهّي بالنزاع على الصلاحيات والحقوق فيما الشعب يعاني ويجوع؟».

وتضيف هذه الأوساط «هل يدرك باسيل أن أمين عام حزب الله الذي سلّمه أمره يمثّل الأغلبية الشيعية، لكنه على الرغم من ذلك وحفاظاً على وحدة الطائفة الشيعية لا يستأثر بالتمثيل الوزاري الشيعي داخل الحكومة ولا بالحقائب الوازنة، ومثله يفعل رئيس الحزب التقدمي الاشتراكي وليد جنبلاط الذي لا يستأثر بالتمثيل الدرزي في الحكومة على الرغم من تمثيله الأكبر للدروز؟ أما باسيل فيريد وضع اليد على الوزيرين المسيحيين الإضافيين فوق حصة العهد المتمثلة بـ7 وزراء مسيحيين، ولا يريد فوق ذلك منح الثقة للحكومة من قبل التكتل الذي خاض الانتخابات بإسم العهد، وفي إطلالته الأخيرة لم ينصح نصرالله صديقه باسيل بالقبول بما يقبل به حزب الله».

ويخلص خصوم باسيل إلى القول «لو أراد باسيل تأليف الحكومة لتشكّلت في غضون يومين وأوقفت انحدار البلد نحو القعر، لكن لا همّ له سوى مكاسبه بحثاً عن شعبوية في الوقت الذي يهاجر فيه المسيحيون ويقفون مع سواهم من اللبنانيين في طوابير الذل أمام محطات المحروقات وأمام المستشفيات ويفتّشون عن دواء وعن فرصة عمل وعن لقمة عيش تقيهم خطر الجوع».

كل هذه الوقائع، تؤشّر إلى الخطر الذي يتهدّد حيثية العهد وإلى خسارة أوراق القوة على الساحتين المسيحية واللبنانية، ما يعني أن الاستحقاق الانتخابي المقبل قد يرسم صورة جديدة للأغلبية النيابية مع تبدّل المزاج الشعبي في الشارع المسيحي.