عن سجال الفدرالية السائد عربياً ولبنانياً – زياد ماجد – القدس العربي

تنحو أكثر الكتابات السياسية العربية واللبنانية إلى ما يشبه تجريم الفدرالية واعتبارها تآمراً أو تفتيتاً أو تحفيزاً لمشاريع الانفصال. وثمة أسباب كثيرة لهذا الموقف إن في الدول التي اعتنقت إيديولوجيات قومية أو وطنيّة صاهرة لجماعات متعدّدة داخلها، أو في الدولة اللبنانية حيث هشاشة الإجماعات والتسويات تستدعي على الدوام تخويناً لما قد يبدو دعوات «انعزالية» أو تفكيكية لكيان ظلّ منذ نشأته عرضة لتشكيك في مشروعيّته داخلياً وخارجياً.
في الأسطر التالية استعراض لخمسة أسباب تفسّر الموقف التجريمي للفدرالية، ونقاش في بعض جوانب الأخيرة.

عقائد التوسّع السياسي عوض التقسيم الإداري




يمكن ربط السبب الأوّل بـ»عقدة سايكس – بيكو»، وهي عقدة ما زالت حتى اليوم تؤثّر في تفكير تيارات سياسية تردّ خرائط المنطقة العربية، لا سيّما في مشرقها، إلى مكيدة استعمارية خلقت حدود بلدان مصطنعة. ويُفترض بكل ردّ عليها، بالتالي، أن يفعل عكس ما ذهبت إليه، أي أن يتخطّى الحدود التي رسمتها وأن يتوسّع خارجها، لا أن يُعيد تضييقها داخلياً أو «تقسيم المقسّم» وتشييد خطوط جغرافية-سياسية حول مناطق ذات خصائص طائفية أو جهوية أو قبلية أو عرقية محدّدة.
السبب الثاني يتّصل بخصائص الإيديولوجيات السياسية التي تعاقبت في المنطقة منذ عهود الاستقلال. فمن القومية العربية بنسخاتها المختلفة إلى القومية السورية وصولاً إلى قوى الإسلام السياسي، لم تكن الحدود الوطنية دائماً نهائية ولم يشكّل الاكتفاء بالمصالح أو الأولويات المحلية هاجساً يمكنه مقارعة المسألة القومية وقضاياها الكثيرة. لذلك بدا التوق «الوحدوي» (عربياً) مدخلاً أو شرطاً لاكتساب «صدقية» تُتيح تمرير مشاريع سياسية أو هيمنة وطنية. واستظلّ بالفكرة كلُّ نظام أراد جعل سياسته الشرق أوسطية وسيلة لتدعيم سلطته وحكمه الداخليّين. كما استظلّ بمقولة «الأمة» القوميون والإسلاميون ولو وفق مرجعيات وإحالات مختلفة. وأدّى هذا إلى جعل الإدارة «الترابية» والاقتصادية داخل كل بلد عربي على حدة ثانوية مقارنة بالسياسات الخارجية.
أما السبب الثالث فينطلق من الأدوار السياسية التي لعبتها الجيوش العربية والأجهزة الأمنية بوصفها أدوات الصهر الوطني. يسري الأمر على سوريا والعراق ومصر والجزائر واليمن والسودان وليبيا وسواها. فالمؤسّسات العسكرية والأمنية نشأت على فكرة أنها الصمّام الأساسي لتماسك الدولة والمجتمع وأنها الطرف الأقدر على الحكم والأكثر مناقبية وتأميناً للمصلحة المشتركة للفئات الاجتماعية المختلفة. ومع وصول بعض ضباطها إلى السلطة إثر موجة الانقلابات العسكرية وتحوّلها إلى أدوات قمع لتثبيت السلطات الجديدة، انتقلت المركزية الشديدة التي تتميّز بها في هرميّتها وتنظيمها إلى بنية الحُكم نفسه، فتلاقت مركزية الاستبداد السياسي بمركزية التنظيم الأمني لتجعل كل مقاربة لشؤون الدولة والمجتمع محصورة في آليات الهيمنة وفي مركز صنع القرار.
السبب الرابع، مردّه الجهل بالفدرالية نفسها ومؤدّياتها، والاستسلام العام للحكم القيَمي المُسبغ عليها بوصفها مدخلاً للتقسيم أو لإعلاء الهويّات الانفصالية المتنابذة ولتكريس التمايزات اجتماعياً واقتصادياً وسياسياً.
السبب الخامس، وهو لبناني أوّلا، يرتبط بإحالة الفدرالية إلى إيديولوجيا عُرّفت يوماً بإيديولوجيا اليمين المسيحي، وقوامها تأمين هيمنة للأخير وطنياً أو الانكفاء إن تعذّر الأمر إلى رقعة جغرافية ذات أكثرية مسيحية توفّر إدارة ذاتية أو خاصة للمقيمين فيها بعيداً عن «شراكة فاشلة» مع المسلمين.
بهذا، يمكن القول إن غياب التعاقدات الوطنية التأسيسية الصلبة عربياً ولبنانياً، كما غياب الديمقراطية في معظم الحالات، منعا كل بحث جدّي في الفدرالية وتطبيقاتها في العقود الماضية. وحين اعتَمد العراق صيغتها بعد الاجتياح الأميركي العام 2003، بانت تجربته رديئة لأسباب عديدة تتوزّع مسؤولياتها بين قواه السياسية الطائفية ومرجعيّاته الدينية والإدارة الأميركية له بعد تكريس احتلالها وحلّها الدولة.

في تعريف الفدرالية ونماذجها

لكن ما هي الفدرالية، ولماذا يمكن للبحث في بعض نماذجها أن يسمح بتعامل جدّي مع أوضاع مركّبة يعيشها أكثر من بلد؟
يقوم التعريف العام للفدرالية على كونها نظاماً تتقاسم السلطة فيه حكومة مركزية وحكومات أو مجالس مناطقية تمثّل الأقاليم. ويجري الاتفاق على أدوار الحكومة المركزية (الوطنية) والحكومات أو المجالس المناطقية وواجبات كل واحدة تجاه ناخبيها وتجاه المواطنين عموماً في دستور وتشريعات تحدّد المشترك والمركزي (السياسات النقدية والدفاع والسياسة الخارجية والمعاهدات الدولية مثلاً)، وتُنظّم صلاحيات مجالس الأقاليم ونطاق ممارسة هذه الصلاحيات وخصائصها. والعالم مليء بالتجارب الفدرالية بأشكالها المختلفة وبظروف قيامها المتعدّدة، من ألمانيا وأستراليا وروسيا إلى البرازيل والأرجنتين والهند وكندا فالولايات المتحدة وكينيا وماليزيا ونيجيريا والمكسيك وبلجيكا وغيرها الكثير (بالإضافة طبعاً إلى الكونفدرالية السويسرية حيث تُدفع الفكرة الفدرالية خطوة إضافية في ما يخصّ صلاحيات الأقاليم، الكانتونات).
على هذا الأساس، قد يكون للبحث اليوم في صيغ فدرالية بعض الفائدة في الحالات اليمنية والليبية والمغربية مثلاً، مع إعادة للبحث في صيغتها الفاشلة المعتمدة في العراق. وقد تفيد أيضاً مناقشتها في الحالة السورية، حيث بات التفكّك الترابي وتنازع الأرض وتعدّد الاحتلالات أشدّ وطأة على فكرة «الوحدة الوطنية» من أي بحث في الفدرالية وأنساقها. ذلك أن التوفيق بين حساسيّات مناطقية ولغوية وقومية مختلفة وإشراكها بتملّك الشأن العام وإدارته، مع ترك هوامش استقلالية لها في إدارة ما هو إقليمي أو جهوي يُبقي الوحدة السياسية في البلد، ويُجيز حدّاً مقبولاً من الديمقراطية ومن الرغبة في التعاقد التوافقي على نحو يمنع هيمنةً مطلقة لطرف أو محواً لهويّة طرف آخر. وثمة من يقول إن الفدرالية لو اعتُمدت سودانياً منذ عقود، كانت ربما لتحُول دون تقسيم البلد وانفضاض جنوبه عنه قبل عشر سنوات.
ليست الأفكار أعلاه بأي حال دعوة للسير بالضرورة في النماذج الفدرالية. إذ يمكن لنقد الفدرالية (غير التجريمي) أن يكون وجيهاً في الكثير من الحالات أيضاً، وبخاصة في لبنان، حيث حجم البلد وتداخل ديموغرافيّته الطوائفية وإفلاسه المالي والاقتصادي الراهن وعبء سلاح طرفٍ مذهبي (حزب الله) يربطه بإيران ويفرض مع حلفائه من داخل مؤسسات الدولة سياسةً خارجية لا يغيّر في أحوالها اعتمادُ فدرالية أو تقسيمات إدارية لا تقترن بإصلاحات سياسية جذرية وببحثٍ في احتكار الدولة للسلاح.
ويمكن لنقد الفدرالية أيضاً أن يركّز – كما بعد التجربة العراقية – على مكامن خلل تنتجها الهيمنة السياسية والتوزيع غير العادل للثروة، أو عن مشاكل إدارية أو عن تبدّلات ديموغرافية قد تتطلّب تعديلات دورية في نسب التمثيل في المجالس الوطنية المشتركة. ويمكن للامركزية الإدارية الموسّعة أن تكون صيغة مقبولة في العديد من الحالات من دون الحاجة لاعتماد الفدرلة إن كان الاتفاق عليها متعذّراً أو الخوف منها يدفع إلى السجال والصدام الحاد.
لكن البحث في كل ذلك مفيد في جميع الأحوال في دول تغرق منذ نصف قرن في مشاكل وتكتشف عاماً بعد آخر أن فيها كمّ اختلافات طمسها الاستبداد أو أخفتها الشعارات والسياسات «القومية» المتخطّية الحدود، فإذا بها تنفجر بعنف بمجرّد أن ووجِه فيها القمع المركزي بثورات وتحدّيات تكاد لا تطيح بنظمها فحسب، بل بكيانيّة بلدانها أيضاً…