إدراك “المنظومة” عجزها يفتح الباب لنواف سلام

سركيس نعوم – النهار

نواف عبدالله سلام ليس طارئاً على السياسة. فجدّه أبو علي سلام. وعمّه صائب سلام رئيس حكومات عدّة في لبنان وصاحب بصمة في سياساته. أما أعمامه ووالده طبعاً فقد امتنعوا عن ممارسة السياسة أو امتهانها لسبب أو إثنين. أولهما الحرص على وحدة العائلة وعلى قوتها الشعبية والثقة في آن بمواهب شقيقهم صائب. ثانيهما غياب السياسة بمعناها الشعبي والخدماتي عنهم وانطلاقهم في أعمال بعيدة منها واهتمامهم بهوايات لا يتيح لهم انخراطهم في السياسة ممارستها.
وحده مالك شذّ عن هذه القاعدة، ولكن لفترة قصيرة إذ تولى حقيبة وزارية في حكومة ألّفها سياسي معارض لزعيم العائلة وممثلها في الحقل العام صائب بك. تردّد في حينه أن مصاهرته للعائلة المسلمة السنّية الطرابلسية (كرامي) المماثلة في عراقتها السياسية والوطنية لآل سلام والمنافسة لهم في آن لعبت دوراً مهماً في هذا “الخرق” إذا جازت تسميته كذلك. لكن هذا الخرق لم يدم لأسباب كثيرة ليس الآن وقت سردها على تنوّعها. نوّاف سلام هذا، المحامي المتخرّج من جامعة هارفرد الأميركية المرموقة والقاضي والمحاضر في جامعة السوربون الفرنسية وجامعة بيروت الأميركية، ثم ممثل لبنان الدائم في الأمم المتحدة ومندوبه خلال هذا التمثيل في مجلس الأمن مدة سنتين وأخيراً العضو في محكمة العدل الدولية، نوّاف سلام هذا يبدو أنه يدق باب العمل السياسي من أرفع موقع سنّي في دولة لبنان الطوائفية هو رئاسة الحكومة ومجلس الوزراء صاحب السلطة التنفيذية وحده في البلاد.
إذ طُرح اسمه مرتين لهذا الموقع من قبل شخصيات سياسية وازنة تمثّل جهات ثانية وازنة أيضاً. كما سمّاه عدد لا بأس به من النواب مرتين في استشارات نيابية ملزمة أجراها رئيس الجمهورية ميشال عون لاختيار رئيس يُكلّف تأليف الحكومة. لاقى طرح اسمه ارتياحاً في دوائر سياسية مهمة وترحيباً في أوساط جهات عدّة من الجهات الكثيرة التي شاركت في “ثورة 17 تشرين الأول 2019”. ولاقى ارتياحاً أيضاً في أوساط عروبية وأخرى تقدمية كان لها دورٌ سياسي في لبنان قبل حروبه الطويلة وفي أثناءها وبقي لبعضها دورٌ مستقل بعد ذلك. كما لاقى ارتياحاً أيضاً عند جهات مسيحية وازنة سياسياً وشعبياً سببه بعده العفوي والصادق عن الطائفية وتمسّكه الدائم بعروبة لبنان واستقلاله وسيادته وتأييده اتفاق الطائف الذي أنهى الحروب واعتباره إياه مدخلاً لبناء دولة مدنية لا تقضي على التنوّع المذهبي والطائفي في البلاد. فهو أي #نواف سلام تصدّى في كتاباته المنشورة الأكاديمية والسياسية وآخرها “لبنان بين الأمس والغد” لأصول المسألة اللبنانية (الهيمنة الطائفية، المواطنة المكبّلة، الدولة غير المكتملة). كما تصدّى لجذور الحرب ومساراتها حتى اتفاق الطائف الذي أنهى الصراع المسلّح لكنه أنتج سلاماً هشّاً.




وقد دعا في كتابه هذا الى إقامة جمهورية ثالثة تستند الى إعلاء منطق المؤسسات الذي يفتح باب إقامة دولة مدنية عادلة وفاعلة على أساس المواطنة الجامعة ومفهوم سيادة القانون.

هذا التعريف المستفيض لنواف سلام مهم أولاً للبنانيين ولا سيما بعدما أدخله قادة الشعوب والطوائف والمذاهب والأحزاب المتناحرة في تصنيفاتهم غير المستندة الى أساس أو دليل بالقول أنه أميركي أو مرشّح أميركا، أو أنه سعودي ومرشّح المملكة أو… لا يعني ذلك اعتبار نواف ملاكاً في السياسة. لكنه قطعاً ليس شيطاناً. فهو كان في مرحلة صعبة من تاريخ لبنان قريباً من الرئيس فؤاد السنيورة (احتلال وسط بيروت ومحاصرة السراي الحكومية ورئيس الحكومة وبعض أعضائها من ثلاث جهات) لكنه كان قبل تمثيله لبنان في الأمم المتحدة وبعدها على علاقة محترمة مع رئيس مجلس النواب نبيه بري كما مع وزارة الخارجية وغيرهما، ونجح في إعطاء صورة داخل مجلس الأمن عن كفاءة اللبنانيين.

عندما طُرح أو طرح نفسه في آن لعضوية محكمة العدل الدولية اشتغل كثيراً ونجح متفوّقاً بذلك في التصويت داخل الجمعية العامة على الهند وبريطانيا. علماً أن الأخيرة لم تغب عن هذه المنظمة منذ تأسيسها. طبعاً لا يعني ذلك أن أبواب واشنطن والرياض ودول أخرى كبرى عربية ودولية مُقفلة في وجه نواف سلام. فممثلوها في بيروت ونيويورك يعرفونه جيداً، وذلك في مصلحته. في أي حال هذا الكلام يهدف الى أمرين الأول أن نواف سلام ليس طامحاً أو قد لا يكون طامحاً الى إقفال بيت الرئيس صائب سلام كما يزعم البعض في حال صار رئيس حكومة، أي أنه لن يخوض المعترك السياسي الشعبي ويخوض الانتخابات منافساً لإبن عمه تمام بك.

كيف ينظر نواف سلام الى هذا الموضوع الذي أدخله فيه آخرون ومن موقعين مختلفين الأول تشجيعه على دخول “معمعة” رئاسة الحكومة، والثاني ثنيه عن ذلك بالتهجّم عليه بإلصاق صفات به يرجّح أن لا تكون مطابقة لمواصفاته. فهو واستناداً الى من يعرفه جيداً يمكن أن يعمل رئيس حكومة في حال واحدة هي: إدراك الطبقة السياسية اللبنانية المتنوّعة والمتقاتلة والمتشاركة في المصالح في آن واحد أنها عاجزة عن إنتاج حكومة من داخلها. هذا أمرٌ أدركه عام 1970 رئيسا الجمهورية والحكومة الراحلان سليمان فرنجية وصائب سلام فكانت “حكومة الشباب”. لكن الطبقة المذكورة خافت على نفسها من إصلاحاتها فقضت عليها. علماً أن بعضها قد يكون ارتكب أخطاء معينة. على اللبنانيين أن يدركوا أنهم في حاجة اليوم الى ميزان قوى جديد في البلاد يعمل للتغيير ونواف سلام يطمح الى ذلك. أما إذا كان الهدف الإبقاء على “الستاتيكو” الحالي المدمّر فإنه لن يكون مهتماً بالرئاسة الثالثة. لكن السؤال المهم يبقى: هل أدركت الطبقة السياسية ضرورة التغيير والتنحّي جزئياً أو كلياً؟ والجواب هو كلا.