تزايد حالات الانتحار في لبنان.. وخطوط ساخنة للدعم النفسي

يشهد اللبنانيون منذ أسابيع ارتفاعاً ملحوظاً في حالات الانتحار المسجلة على مختلف الأراضي اللبنانية، مقارنة بتراجع كان قد سُجل في الفترة الممتدة من مطلع 2019 وحتى أبريل 2021، الأمر الذي دفع خبراء إلى التأكيد على أهمية تحرك الجهات والمؤسسات المختصة لتدارك هذه الإشكالية.

ست حالات انتحار سجلت في أسبوعين خلال الشهر الحالي، رقم كبير قياسا بعدد سكان لبنان وعدد حالات الانتحار المسجلة فيه سنوياً. ويرجح أن يكون الرقم أعلى لحالات لم تسجل على انها انتحار، وهو ما يطلبه كثير من العائلات اللبنانية إما لأسباب دينية أو تفادياً لإثارة بلبلة اجتماعية حولهم.




إرشادات
خط ساخن لتقديم الدعم النفسي للوقاية من الانتحار

الشاب اللبناني ماثيو علاوي (مواليد 1996)، كان من أبرز الحالات التي شكلت صدمة اجتماعية في لبنان خلال الأيام الماضية. عثر عليه داخل منزل في منطقة كسروان مشنوقاً، وسجلت القوى الأمنية الحادث في إطار الانتحار.

وفُجع الوسط الموسيقي اللبناني بحادثة انتحار الموسيقي الشاب زي كركبي، الذي سبق وقدم أعمالاً فنية وموسيقية خلال ثورة أكتوبر، عبر فيها عن سخطه واحتجاجه على حال البلاد مناصراً التغيير. زي مثّل أملا واعداً موسيقياً تحول إلى خسارة برحيله، وفقاً لما قاله عنه أصدقاؤه ومن عرفه في الوسط الموسيقي عبر مواقع التواصل الاجتماعي.

(ن. عياش)، في العقد الثالث من العمر، سقط من شرفة منزله في مدينة الميناء شمالي لبنان مطلع يونيو، وترجح المعلومات فرضية انتحاره، وتشير إلى كونه يعاني من أمراض مزمنة. وفي الشمال أيضاً في بشري عثر على جثة مواطن من آل رحمة مصاب بطلق ناري وسلاح حربي بجانبه مع ترجيح لفرضية الانتحار. ومن بشري إلى عشقوت في كسروان المواطن (ج.ح) أطلق النار على نفسه أيضاً.

وبينما أقدم مواطن على إلقاء نفسه من جسر كازينو لبنان ما أدى إلى وفاته على الفور، نجا مواطن آخر من محاولة انتحار من على جسر الكولا في بيروت حيث تجمع الناس من حوله وحضرت القوى الأمنية والدفاع المدني ونجحوا في ثنيه عن ذلك.

ارتفاع متوقع بعد انخفاض لافت

هذا الارتفاع الطارئ في الأرقام جاء خلافا لمسار الانخفاض في نسب الانتحار المسجلة منذ العام 2019 حتى اليوم، إذ تراجعت حوادث الانتحار خلال عام 2020 مقارنة بالفترة ذاتها في عام 2019 بنسبة 18.8%، وفقاً لـ “الدولية للمعلومات”، فيما أشارت الأرقام الرسمية إلى انخفاض بين العام الماضي 2020 والحالي نسبته 16.8% في الأشهر الأربع الأولى من العام.

الأخصائية النفسية ميا عطوي، العضو المؤسس في جمعية “إمبريس” للصحة النفسية، والتي تشغل خطوطاً ساخنة للتبليغ والاستشارات المتعلقة بالصحة النفسية والميول الانتحارية، كانت قد شرحت، في تصريح سابق لموقع “الحرة”، ظاهرة انخفاض الحالات المسجلة، والتي ترافقت مع كوارث بحجم جائحة كورونا وانفجار المرفأ وأحداث الثورة وما بعدها، مبدية تخوفها من العام 2021 الذي “قد لا يحمل أحداثاً بالمستوى نفسه من الضخامة والاستثناء، وإنما آثاراً اقتصادية واجتماعية لكل ما جرى خلال 2020، وبالتالي قد نشهد ما سبق ورأينا نموذجاً عنه في شهر ديسمبر من عام 2019 حينما شهد لبنان سلسلة حالات انتحار متلاحقة، لاسيما وأن الدراسات والإحصاءات تشير إلى ارتفاع كبير في نسبة المصابين بالاكتئاب والقلق وغيرها من المشاكل النفسية التي قد تنعكس عام 2021.”

حجم الحالات يفوق القدرات!

توقعات عطوي بدأت تتضح عبر الأرقام التي تسجلها اليوم جمعية “إمبريس”. فحالات الانتحار المسجلة ليست المؤشر الوحيد على واقع المجتمع اللبناني وصحته النفسية. وتشير مديرة العلاقات العامة والتواصل في “امبريس” هبة دندشلي إلى أن الجمعية قد أضافت خطاً ساخنا جديداً لتلقي الاتصالات وتقديم الدعم والاستشارات لمحتاجيها، ومع ذلك “نسبة الاتصالات أكبر من قدراتنا وإمكاناتنا. هناك ارتفاع كبير بحالات عدم الاستقرار العاطفي والاستعداد العام لليأس والاكتئاب والقلق، إضافة إلى الأشخاص الذين يعانون مع العنف المنزلي ولاسيما خلال وبعد فترة الحجر الصحي، وبالتالي انخفاض نسبة الانتحار في العام الماضي، لا تعني أن الناس لم تكن تعاني نفسياً، بل على العكس، ما يجري اليوم هو ناتج عن تأزم المعاناة النفسية على امتداد تلك الفترة، وازدياد حدة الأزمة التي تعيشها البلاد وتأثيرها عليهم وعلى نوعية حياتهم.”

وبحسب الأرقام المسجلة لدى الجمعية فقد “ارتفع عدد الاتصالات الواردة لطلب المساعدة والاستشارات من 700 خلال شهر أبريل إلى 1030 اتصال خلال شهر مايو، 550 من المتصلين تتراوح أعمارهم بين الـ 18 والـ 25، ما يشير إلى أن فئة الشباب أكثر عرضة للاضطرابات النفسية التي تصل ببعضهم الى الانتحار في لبنان، وذلك لكونها المرحلة العمرية التي تتطلب من الشباب التركيز على مستقبلهم وآمالهم أكثر من فئات عمرية أخرى وهو ما قد يزيد الضغط عليهم في ظل الأوضاع الحالية”.

تتابع دندشلي أن “الناس باتت تعيش روتين يتجه يومياً نحو الأسوأ، وعليه من كان لديه استعداد مسبق نفسي لأو بيولوجي فقد ارتفعت حدته مع المعاناة اليومية، حتى من ليس لديه، اليوم بات معرضاً بفعل عوامل خارجية ضاغطة تفقدهم الرغبة بالاستمرار بصراع يومي دائما ما يصل إلى حائط مسدود ويستنزف طاقتهم. كل ذلك ساهم في جعل الانتحار سبيلاً أخيراً لمن فقد الأمل وأصيب بالإحباط.

اللبنانيون من الأكثر اكتئابا في العالم

ويعيش نحو 40 بالمئة من اللبنانيين بطالة زادت من المعاناة الاجتماعية مع الانهيار الاقتصادي. وتخطى معدل الفقر حدود نصف المجتمع اللبناني ويتجه صعوداً، فيما تضاعف مستوى الفقر الحاد 3 مرات، حيث ارتفع من 8 بالمئة عام 2019 إلى 23 بالمئة عام 2020، بحسب تقرير للأمم المتحدة.

وكانت نتائج تقرير “غالوب العالمي للمشاعر 2020″ (Gallup Global Emotions 2020) قد أظهرت أن اللبنانيين من أكثر 10 شعوب توتراً وحزناً في العالم”. كذلك أظهرت دراسة للجامعة الأميركية اللبنانية أن 16.17 في المئة من الشباب الذين تتراوح أعمارهم بين 18 و24 سنة، يعانون من اكتئاب شديد منذ واقعة انفجار المرفأ 2020، وأضافت الدراسة أن 40.95 في المئة من النساء يعانين من اضطراب ما بعد الصدمة PTSD. وفي ما يتعلق بالطبقات الاجتماعية، أوضحت الدراسة أن 59.5 في المئة ممن يعانون من اضطراب ما بعد الصدمة هم من الفئة الأكثر فقراً، ومنهم من تضرر بشكل مباشر من انفجار المرفأ.

دراسة أخرى أجرتها الجامعة الأميركية في بيروت عن الأثر النفسي الذي خلفه الحجر الصحي والتعليم عن بعد على الطلاب، بينت أن 42.3 في المئة منهم يعانون من اكتئاب وأنسومنيا (الأرق)، فيما 75.3 في المئة يعانون من التوتر الحاد.

هذه الدراسات تترافق مع أرقام كشفتها نقابة الصيادلة في لبنان تشير إلى “ازدياد نسبة استهلاك مضادات الاكتئاب والمهدئات بنسبة 20 بالمئة عما كانت عليه. وهذا يعني أن هذه الأدوية لم تعُد محصورة بالمرضى فقط، وإنّما تطال شريحة أوسع من الناس، حتى حلت بالدرجة الثانية بين الأدوية المهددة بالانقطاع التام في لبنان بعد أدوية السرطان”.

احذروا التسويق للانتحار

وفي ظل النتائج المأساوية للانهيار الاقتصادي، والتي يتناقل اللبنانيون تفاصيلها ومستجداتها بشكل يومي وبنظرة سوداوية وتشاؤمية، تلفت دندشلي النظر إلى “أمر هام يجب أخذه بعين الاعتبار على مواقع التواصل الاجتماعي وفي الإعلام، ألا وهو تناول الانتحار كقضية بحد ذاته، وتحويله إلى قصة وربطها بالمعاناة والإيحاء وكأن الانتحار أسلوب تعبير أو عمل بطولي أو تسجيل اعتراض بوجه الوضع أو الدولة، واستخدام واستثمار وصايا الضحايا أو منشوراتهم وتأويلها ووضعها في سياقات درامية، كل ذلك يشجع الغير على خيار الانتحار، لاسيما عندما نربط الانتحار بالوضع العام الذي يعاني منه الجميع، حين نقدمه كسبب للانتحار نقول للجميع لديكم الأسباب نفسها وبالتالي هذا الأمر يشجع على تعميم الفكرة الخاطئة، وتطبيعها في اذهان الأشخاص الذين لديهم استعداد مسبق للقيام بالمقاربة السوداوية نفسها”.

وتضيف “إن كان لابد من تناول هذه الأحداث فالأفضل تناولها في إطار التوعية وتوجيه الناس إلى سبل المساعدة والتحدث عما يشعرون به ومشاركة معاناتهم والحصول على الدعم اللازم. وعند تناول المشهد العام المحبط في البلاد، الأفضل معه تأمين حلول وبدائل للناس، كإرشادهم إلى الجمعيات التي تقدم الدعم النفسي والمادي والحاجات الرئيسية وغيرها من النوافذ التي قد تحمل أي واحدة منها أملا لشخص يفكر بالانتحار بدلاً من تركه عالقاً في النظرة التشاؤمية للأمور”.

“على الأفراد أيضاً أن يخففوا من تحميل المسؤولية لأنفسهم، خاصة حول الأمور التي لا يسيطرون عليها ولا يتحكمون بها ولا يقررون بمسارها، هنا الذنب ليس ذنبهم ولا الفشل فشلهم ولا المسؤولية تقع عليهم، هذه مرحلة استثنائية وليست دائمة، ستتغير وستتبدل ولن تبقى الأمور على ما هي عليه،” بحسب دندشلي التي تختم قائلة “إن كانت الحالة العامة محبطة في البلاد على الأفراد أن يبدلوا مقاربتهم للأمر وأن يجدوا الأمل بأنفسهم وقدراتهم وطاقاتهم على تبديل حالتهم وإيمانهم بتغيير الواقع المحبط”.