ضاع لبنان وضاع فيه من تقدّم بهم العمر..

تتنقّل ماري أورفالي خمس مرات في الأسبوع من شقتها في بيروت إلى الكنيسة المحلية، وهي مؤسسة خيرية ومطبخ شوربة قريب لجلب وجبة مطبوخة لها ولزوجها ريمون البالغ من العمر 84 عاما.

نفد دعمهما الوحيد (دفعة نهاية خدمة ريموند البالغة 15 ألف دولار منذ تقاعده قبل أكثر من 20 عاما) منذ فترة طويلة.




ومنذ ذلك الحين، اعتمدا على الأعمال الخيرية لتغطية كل شيء من الإيجار ومستلزمات التنظيف ومسكنات الألم والطعام لكلبهما الأبيض سنوبي، لكن الأعمال الخيرية تعاني اليوم من انهيار عملة لبنان.

80 في المئة من السكان فوق سن الـ65 لا يتمتعون بمزايا التقاعد أو التغطية الاجتماعية

وكانت الأموال النقدية التي يحصلان عليها من المتبرعين والكنيسة تصل إلى 400 دولار، وهي الآن في حدود 40 دولارا. انهارت ماري البالغة من العمر 76 عاما باكية عندما سُئلت عن حالها، قالت “لقد أصبحت خائفة، أصبحت متوترة، أحتاج إلى المال لشراء حاجيات للمنزل”.

ومع غياب نظام رعاية اجتماعية، يُترك كبار السن في لبنان لتدبّر أمورهم بأنفسهم وسط الأزمة الاقتصادية في بلدهم. وفي سنوات حياتهم الأولى، نجوا من 15 عاما من الحرب الأهلية التي بدأت في عام 1975 ونوبات من عدم الاستقرار.

الآن، وفي سن الشيخوخة، أُلقي بالعديد منهم بين براثن الفقر بسبب واحدة من أسوأ الأزمات المالية العالمية خلال الـ150 عاما الماضية. ويوجد في لبنان أكبر عدد من كبار السن في الشرق الأوسط، 10 في المئة من السكان البالغ عددهم 6 ملايين هم فوق 65 عاما.

ولا يتمتع حوالي 80 في المئة من السكان فوق سن 65 بمزايا التقاعد أو تغطية الرعاية الصحية، وفقا لمنظمة العمل الدولية. ويكافح أفراد الأسرة والجمعيات الخيرية، التي تعتبر مصدر الدعم الرئيسي التقليدي، لتلبية الاحتياجات المتزايدة مع ارتفاع معدلات البطالة.

وأصبحت مدخرات بالدولار حصل عليها كبار السن من العمل طوال حياتهم محجوزة في البنوك، ولا يمكن الوصول إليها في ظل الأزمة المصرفية. وفقدت المدخرات ما يقرب من 90 في المئة من قيمتها مع انهيار العملة المحلية مقابل الدولار، وينهار نظام الرعاية الصحية الذي كان يمكن الاعتماد عليه في يوم من الأيام.

قالت ماري بصوت خافت، “ليس لدي نقود لشراء الملابس أو الأحذية”، حيث لم تكن تريد أن يسمع ريموند شكواها، فقد شفي مؤخّرا من كورونا وجراحة في الدماغ. وعمل ريموند مسؤولا في أحد مستشفيات بيروت لمدة 26 عاما، وكانت ماري أمينة في إحدى الجامعات.

ويعيشان الآن بين أكوام من أمتعتهما في شقة مستأجرة في شرق بيروت، ويستعين ريموند بمشاية معلقة فوق سريره للتحرك في الشقة، ولديه كيس من الخبز وُضع تحت السرير لسهولة الوصول إليه، فحتى أطفالهما الخمسة في حاجة إلى المساعدة.

وعلى مدار العامين الماضيين، نزل المزيد من كبار السن إلى الشوارع، للبحث في القمامة أو التسوّل، كما قال جو تاوتل، الذي يدير  مؤسسة “رفيق الدرب” الخيرية.

ويقدم تاوتل وجبات منزلية لأكثر من 60 أسرة مسنة سجّل عددها ارتفاعا من خمس أسر قبل الأزمة. وقال “أصبحت الآن في حاجة أولئك الذين اعتادوا العطاء، ففي البداية، كانت المجموعات تساعد طوائفها، الآن، ازدادت الاحتياجات، ولم يعد ممكنا لأحد أن يحلّ محل الدولة”.

ولا يغطي البرنامج الوطني للضمان الاجتماعي سوى 30 في المئة من القوى العاملة، ويعطي مدفوعات لمرة واحدة عند التقاعد، ويعاني من نقص خطير في التمويل.

وأدى انفجار بيروت الصيف الماضي إلى تدمير أجزاء من المدينة، حيث تضررت المئات من منازل المسيحيين الأكبر سنا في لبنان، مما أدى إلى تهجيرهم بشكل مؤقت أو دائم.

وقال مصطفى حلوة رئيس جمعية “الخدمات الاجتماعية” الطبية، ومستشفى إعادة التأهيل ودار رعاية المسنين في طرابلس بشمال لبنان، إن “كبار السن وذوي الإعاقة باقون. وإذا لم يكن المجتمع على دراية بهذه المشكلة، أعتقد أننا نتجه نحو المزيد من الأزمات”.

يوجد في لبنان أكبر عدد من كبار السن في الشرق الأوسط، 10 في المئة من السكان البالغ عددهم 6 ملايين هم فوق 65 عاما

وفي ذروة الوباء، كانت دور رعاية المسنين تعتبر عالية الخطورة في جميع أنحاء العالم. وفي لبنان، اعتبرتها بعض العائلات الحلّ لمشكلاتها. ويستوعب مرفق الحلوة القائم منذ 104 سنوات ما يصل إلى 300 شخص، وهم مزيج من كبار السن والمصابين بأمراض عقلية والأشخاص ذوي الإعاقة. وأوقفت عمليات الدخول والزيارات في بداية الوباء. وعندما أعيد فتحه بعد ستة أشهر، احتضن 42 مريضا جديدا، وهو عدد غير متوقع.

ومع انخفاض قيمة العملة، تكلف الغرفة الخاصة الآن ما يعادل 100 دولار شهريا فقط. ويعمل المرفق على تجديد جزء من الطابق السفلي للمزيد من الغرف، وهناك خطة لملحق يضم 72 سريرا. لكن الأموال الأجنبية عالقة في البنك، وأخرت البيروقراطية موافقة الحكومة.

ودخل سليمان علي يوسف، وهو تاجر يبلغ من العمر 81 عاما، إلى مرفق عين الحلوة منذ قرابة شهرين. وأصيب يوسف بفايروس كورونا العام الماضي، كما أصيبت زوجته ثم توفيت، ورأى أبناؤه أنه بحاجة إلى رعاية لأنّ صحته سيئة.

وقال يوسف، وهو رجل عصامي، إنه نجا من عالم الأعمال الغادر بذكاء سريع وعلاقات جيدة، واستورد بضائع رخيصة من أوروبا خلال الحرب الأهلية. وتمكنت زوجته من إدارة المدخرات، وعاشا بشكل جيد، ولم يحتاجا أبدا إلى مساعدة مالية من الأسرة. ثم توقف عن العمل منذ عامين بسبب جلطة دماغية.

الآن، أصبحت نصف مدخراته عالقة في البنك، والنصف الآخر هو عبارة عن بضائع مخزنة في المستودع. وليس لديه تأمين اجتماعي. وقال من سريره، “لم أكلف الدولة أبدا أي شيء في حياتي، لكنني اليوم مريض وأحتاج إلى المساعدة، لا أريد أن أعود شابا، لكني أريد بعض العناية”