انهارت الدولة العثمانية عندما فشلت في زيادة عدد سكانها – توران قشلاقجي – القدس العربي

تسمعون الكثير من الشائعات حول أسباب انهيار الإمبراطورية العثمانية، ومنها على سبيل المثال، يُقال إن الدولة كانت متخلفة عن مواكبة أوروبا في الناحية التكنولوجية، وأنها هُزمت في الحروب، وخسرت أراضيها نتيجة ذلك التخلف.
ولكن هناك نقطة مهمة للغاية، لم يتم إيلاء الاهتمام اللازم بها، وهي عامل قلة عدد السكان، الذي لعب دورا مهما في خسارة الإمبراطورية العثمانية في حروبها، خصوصا ضد روسيا، حيث كان لهذا العامل دور مهم بالقدر نفسه من الأهمية عن التخلف التكنولوجي. وذكر المؤرخ التركي أرهان أفيونجو في كتابه “دروس التاريخ الحديث”، أن أحد الأسباب الرئيسية لانهيار الإمبراطورية العثمانية كانت مشكلة “السكان”. فحينما كانت الإمارة العثمانية تسير في طريقها نحو الإمبراطورية، كان لعدد سكانها دور مهم في هذا المسار.
وخلال هذه الفترة، حكمت الإمبراطورية العثمانية، التي كان عدد سكانها أكبر من العديد من الدول في أوروبا، مناطق جغرافية تبلغ مساحتها 10 ملايين كيلومتر مربع. إلا أن موازين العدد السكاني انقلبت ضد العثمانيين، بدءا من القرن السابع عشر. فلم يشهد عدد سكان الإمبراطورية العثمانية ارتفاعا ملحوظا في القرنين
الـ17 والـ18؛ بينما ارتفع عدد سكان أوروبا في هذه الفترة من 100 مليون إلى 190 مليونا، وهذا الارتفاع يعادل الضعف تقريبا. ويقول المؤرخ تشارلز عيساوي، بينما كان عدد السكان العثمانيين يشكل سدس سكان أوروبا في بداية القرن السابع عشر؛ انخفضت هذه النسبة إلى العُشر في نهاية القرن الثامن عشر في غضون قرنين. ومن أحد أهم العوامل التي تسببت في حدوث تغييرات كبيرة في معدلات السكان في أوروبا في القرنين السادس عشر والسابع عشر، وباء الطاعون، الذي ألقى بثقله على القارة في تلك الفترة، إلا أن معدلات الوفيات انخفضت بشكل حاد في القارة مع منتصف القرن الثامن عشر، نتيجة زراعة المزيد من المواد الغذائية، وتطور قطاع النقل، وتوسيع رقعة الأراضي الزراعية، وتراجع مستوى الأوبئة، واتخاذ المزيد من إجراءات الصحة العامة المتقدمة، وتغيير شكل الحروب. فقد ارتفع متوسط العمر المتوقع في الدول الأوروبية بين عامي 1750 و1850، ففي فرنسا ارتفع المتوسط من 28 إلى 34، ومن 37 إلى 40 في إنكلترا، ومن 37 إلى 43 في السويد. كما كان لعدد المستقدمين من مناطق المستعمرات، وعدد سكان تلك المستعمرات دور كبير في زيادة معدلات السكان في أوروبا في القرن الثامن عشر.

باتت المجتمعات الشرقية تشكو من ارتفاع عدد سكانها، وتعتبره عبئا عليها، وعندما يدرك الشرق قيمة الإنسان، سيتغير الكثير في العالم




وبفضل الزيادة في عدد سكان أوروبا، تم توفير العمالة الرخيصة للصناعات التي كانت في مرحلة التطور في القارة، إلى جانب التغلب على صعوبات التجنيد في الحروب مع زيادة حجم الجيوش. في ما منح ازدياد عدد سكان روسيا التي قفزت إلى المسرح الأوروبي، مع فترة حكم القيصر بطرس أواخر القرن السابع عشر، تفوقا كبيرا على الإمبراطورية العثمانية. ارتفع عدد سكان روسيا من 6 ملايين في القرن السادس عشر إلى 13 مليونا في القرن السابع عشر، ثم إلى 15 مليونا في القرن الثامن عشر، وإلى 40 مليونا في القرن التاسع عشر، وإلى 90 مليونا في عام 1871. وكان قوام الجيش الروسي في القرن الثامن عشر يتألف من 320 ألف جندي؛ ومع ازدياد عدد سكانها وتطور نظام التجنيد لديها، ارتفع قوام هذا الجيش إلى 750 ألف جندي في عام 1871. في حين أن قوام الجيش العثماني كان يتألف من 150 ألف جندي فقط؛ ولم يستطع رفع عدد قواته إلى إلا 300 ألف في الفترة نفسها. وأثناء الدخول في حرب 1877-1878 أو ما تسمى بحرب 93 (الحرب العثمانية الروسية) كانت موازين الاكتظاظ الساكني لمصلحة الروس، بصرف النظر عن التفوق التكنولوجي العسكري. في حرب 93 كُسر العمود الفقري للإمبراطورية العثمانية، ووصلت الجيوش الروسية إلى منطقة يشيل كوري في إسطنبول. وعندما اندلعت الحرب العالمية الأولى، اقترب عدد سكان روسيا من 175 مليونا، وكان قوام جيشها يتألف من 12 مليونا في تلك الحرب. في حين أن عدد سكان الدولة العثمانية كان 22 مليون نسمة؛ ورغم أنها نجحت في تشكيل أكبر جيش في تاريخها، إلا أن عدد الجيش العثماني بلغ مليونين و850 ألفا في ذلك الوقت. وبينما ظل عدد سكان الدولة العثمانية على حاله تقريبا في القرنين الأخيرين من عمر الإمبراطورية؛ ارتفع عدد سكان روسيا 10 أضعاف. وعند مقارنة حجم الجيشين، وصل قوام الجيش الروسي إلى ما يقرب من خمسة أضعاف حجم الجيش العثماني، أي أن عدم ازدياد عدد سكان الدولة العثمانية، جعلنا نخسر إمبراطورية تبلغ مساحتها ملايين الكيلومترات المربعة.
باختصار، لا يزال حجم السكان يعتبر قوة مهمة للبلاد، وعلى الرغم من التفوق الذي حققته المجتمعات الشرقية في عدد سكانها في وقتنا؛ إلا أنها غير قادرة على تدريب وتوظيف هذه القوة كعامل قوة، بل على العكس، وصلنا إلى مرحلة باتت حتى المجتمعات الشرقية تشكو من ارتفاع عدد سكانها، وتعتبر أن ذلك يشكل عبئا عليها، وعندما يدرك الشرق قيمة الإنسان، سيتغير الكثير في العالم.