لا يمكن لـ”حزب الله ” إلّا الرد إيجاباً على رسالة باسيل… فما هي مرتكزات المبادرة التي أطلقها للتوّ؟

ابراهيم بيرم – النهار

لعلّ آخر ما كان ينتظره “#حزب الله ” هو الموقف الذي وضعه فيه أخيراً رئيس “التيار الوطني الحر” جبران #باسيل عندما بادر إلى “تحكيم ” السيد حسن نصرالله في موضوع المساعي الرامية إلى تسهيل استيلاد الحكومة، ومما زاد في دقة الموقف هو مجاهرة باسيل باستعداده سلفا للنزول عند “حكم “هذا الصديق مهما يكن.
لا ريب أنّ الحزب وجد نفسه أنّه بات يتعيّن عليه مبارحة “منطقة الأمان” التي لاذ إليها منذ انفجار أزمة تأليف الحكومة وتوعّر المسالك إليها على نحو غير مسبوق وما نتج عن ذلك من اشتباكات خصوصاً بين رئيس مجلس النواب نبيه بري وبين الرئاسة الأولى واستتباعاً مع “التيار”.




فمن باب التذكير نجح الحزب في اجتياز أول اختبار واجهه إبّان استشارات التكليف عندما انحاز الى جانب شريكه وامتنع عن تسمية #الحريري رئيساً مكلفاً.

في حينه، لعب الحزب لعبة التوازن والوسطية فهو إن لبّى دعوة حليفه إلى خفض لائحة المسمين للحريري الذي خاض يومها بشق النفس لعبة مضادة، إلّا أنّه (الحزب) لم يسلَم من اتهامات وشبهات وجهت اليه من بعض هذا الحليف بتهمة أنّه وإن استنكف عن تسمية الحريري، إلّا أنّه ترك لحلفائه (نواب الحزب القومي واثنين من نواب اللقاء التشاوري) حرية الانزلاق إلى مربّع الحريري ومحضه اصواتهم الخمسة مما اثقل موازين زعيم “المستقبل”.

وأبعد من ذلك، كان الحزب يوحي للمتصلين به انه وضع خريطة طريق سيسلكها من الآن فصاعداً، خصوصاً بعد سقوط تجربة حكومة حسان دياب وهي (الخريطة) تنهض على المرتكزات الآتية:
– الحفاظ على متانة العلاقة التحالفية مع الرئيس بري مهما بلغت الاثمان.
– الابقاء على التحالف مع “التيار الوطني” وأيضاً مهما اقتضى الموقف.
– فتح آفاق التعاون مع الحريري والخروج من دائرة الاتهام بالتعويق والتعطيل.
هل كان موقف الحزب هذا نوعاً من “ممارسة التقية ” السياسية لإدراكه أنّ الطريق إلى التاليف بعيدة ومتعثرة فآثر ألّا يكون المشاغب والمشاكس؟ أم أنّ الحزب أراد فعلاً أن تبصر حكومة برئاسة الحريري دون سواه النور حتى وإن اقتضى الأمر بعض التنازل؟ واستتباعاً، هل كان يراهن فعلاً على لحظة ولادة حكومية طبيعية وشيكة؟

المشهود به أنّ الحزب اختار أن ينأى بنفسه عن مشهد التأليف ومفاوضاته ومشاوراته وتملّكه أمل في أن ينجح الحريري في مهمته لاعتبارين اثنين: الأول أنّ أيّ حكومة ستقيه إلى حدّ بعيد كما ستقي سواه من تداعيات الفراغ وارتدادته، والثاني أنّ التأليف سيقيه حتماً تداعيات التعقيد وما يمكن أن يتحمّله من تبعات وهو الذي يجهد لكي يدرأ عن نفسه اتهامات شتى ارتفعت أكثر فاكثر بعد انفجار 4 آب.

وعليه، ثمة اعتقاد في الحزب أنّ ثمة فرصة كانت متاحة في الأسابيع الأربعة الاولى من التكليف لكي يُقدم الحريري على التأليف، لكنه لأسباب عدة ضاعت، فعاد مسار الأمور إلى نقطة التأزّم والاستعصاء وتبدّدت الآمال التي لاحت في اللقاءات السبعة الأولى بين #عون والرئيس المكلف. كانت الدائرة المولجة بمتابعة موضوع التأليف ومقرها في الأمانة العامة للحزب ويرأسها حسين الخليل وركنها الأساس وفيق صفا، قد سارعت على الإثر إلى الدخول على الخط عبر اتصالات ثلاثية الأبعاد تشمل رئيس التيار البرتقالي وبري والحريري بغية تدوير الزوايا وفكفكة العقد.

لكن ذلك كله على بلاغته لم يجنّب الحزب تجرع الكأس المرة، إذ عاد الى صدارة المشهد وبات في موقع المطلوب للفعل من منطلق أنّ الاستمرار في لعبة الابتعاد بالامكان إدراجه في موقع الذي لم ينصر الباطل لكنه خذل الحق وهي مقولة تنسب للإمام علي استخدمها أيضاً الرئيس عون في مقابلة سئل فيها عن تشخيصه لموقف الحزب الوسطي.

على الإثر، تراجع الحزب الى موقع الناصح والمتمني إذ انبرى رموزه إلى تأكيد المؤكد وهي الحاجة الوطنية الى حكومة عاجلة مقرونة بضرورة تنازل كل الاطراف المعنية لمصلحة إنقاذ البلاد مما هي منحدرة اليه بسرعة قياسية مما لو بقي الفراغ الحكومي مستداماً.

لكن الحزب وجد نفسه في موقع المطالب بأكثر من إسداء النصح، واستطراداً النزول إلى ساح الفعل والتاثير وصرف الرصيد لحظة شرع بري بتشغيل محركات مبادرته أخيراً. والحزب كان على بينة سلفاً من أنّ بري كان يذخر جهوده ويمضي في احتجابه للحظة إطلاق المبادرة. وهو كان ينطلق من جملة اعتبارات بالغة الأهمية في حساباته ابرزها:
– إنّها “خاتمة ” المبادرات بعد تعثر سالفاتها تباعاً.
– إنّ رئيس المجلس كان يفترض أنّ حال الاستعصاء الذي آلت إليه الأمور سيكون سبباً من أسباب نجاح مبادرته.
– إنّ المبادرة اياها تلقى دفعاً خارجياً لا يستهان به.
– العامل الأكثر تشجيعاً أنّ بري استشعر ان عودة الحريري من غيبة صغرى أخيرة كانت بمثابة عودة الابن الذي طاشت رهانات كثيرة خارجية فعاد ليضع أوراقه بين يدي المنتظر.
لذا لم يفاجأ الحزب كما سواه بردة فعل سيد عين التينة على ما اعتبره تضييعاً من باسيل والقصر لفرصة مهمة للانقاذ كان يترقبها وأن تؤول الأمور إلى هذا الاشتباك.

بعد هذه السردية يبقى السؤال المحوري هو: على أيّ شاكلة سيكون رد الحزب على رسالة ” استنجاد واستئناس” بلغته للتو من صديق؟

كعادته في مثل هذه المواقف المفصلية يعتصم الحزب بالصمت والبرودة توطئة لاتخاذ القرار. ربما كان توجه باسيل اليه على هذا النحو ينطوي على إحراج كما يفسر البعض، لكنه ليس في مقدوره التعاطي بسلبية والتفاعل مع الأمر على أنّه “هدية مسمومة ” بعث بها نزيل البياضة، تالياً يتعين عليه ان لايطيل الرد والمبادرة.

لذا فهو، وفق المعلومات الأولية المتوفرة، كشف أنّه بعث بعد أقل من 36 ساعة بالرسل بغية التنسيق.

وبهذه التلبية العاجلة للنداء يكون الحزب قد اسقط عن نفسه شبهة الوقوع في الحرج والارتباك من جهة ودحض عن نفسه تهمة عدم فتح بابه لطارق من جهة أخرى.

ماذا بعد؟ المعلومات عينها تتحدث عن أنّ الحزب ينطلق في مسعاه من اعتبارين:
– البناء على التقدم الذي تحقق في اللقاءات الثلاثة.
– المواءمة بين مسعاه وبين مبادرة بري.

على بلاغة ذلك، فإنّ الحزب ليس في وارد أن يطلق من الان منظومة توقعات من قبيل تحديد مهل زمنية ومن باب الوعد بأنّ الانفراج حتمي.
الثابت أنّ الحزب ليس في وارد ترك باسيل وحيداً، لكنّه حذر جدّاً من مغبة الانزلاق إلى “نزاع ” من أيّ كان خصوصاً مع عين التينة.

وثمة في طيات تحركه وانطلاقته الوشيكة ثابتان ابلغمها عبر القنوات الخلفية الى من يعنيه الأمر:
الأول أنّ تحركه لن يكون رفع عتب وحسب بل بنية إيجاد حلول.
الثاني أنّه ليس في نيته لحد الآن الافصاح عن موقفه النهائي من مال الرئاسة الأولى فتلك ورقة مخفية وثمينة عند الحزب
يبقى أنّ المسعى كله مرتبط بامرين جدية الحريري في قرار الإقدام على التأليف وعدم عزوفه.