هل يعود تمّام سلام ثانيةً الى السرايا الحكومية؟

سركيس نعوم – النهار

يذكر اللبنانيون وفي مقدمهم السنّة ولا سيما البيارتة منهم أبو علي سلام الوجيه البيروتي المعروف، ورأس العائلة التي تعاطت الشأن العام في لبنان الدولة المستقلة وربما لبنان الواقع تحت الانتداب الفرنسي لكنهم يذكرون جيداً أحد أبنائه صائب الذي مارس السياسة بعد تلقّيه ما يحتاج إليه من معارف أخذها من الجامعة الأميركية في بيروت ومن قيم وطنية وعربية تشرّبها من والده بل عائلته. طبعاً لا يعني ذلك أن صائب بك الذي شغل رئاسة الحكومة أكثر من مرة لم يدخل في صراعات سياسية داخل لبنان، ولم يكن أحد قادة “ثورة 1958” التي سُمّيت أحداثاً لأن عنفها وديمومتها لا يُقاسان على الإطلاق بعنف الثورات والحروب الأهلية الدموية والطويلة في العالم كلّه. ولا يعني أيضاً أنه ومثله أقطابٌ آخرون من “العائلات” اللبنانية الأخرى (صارت الآن شعوباً ويا للأسف) لم تكن للطائفية وللقومية (لبنانية وعربية) تأثيرات على مواقفهم السياسية في الداخل. وذلك طبيعي في دولة “ديموقراطية” تعدّدية شكت في حينه ولا تزال تشكو ميل بعض “عائلاتها” الى الشعور بـ”الغبن” اللاحق بها وبعضها الآخر الى “الخوف”. لكن ذلك وفي وجود رجال كبار من “العائلات” كلها كان أحد أبرزهم صائب سلام مكّن اللبنانيين من تجاوز القطوعات الكبيرة بحكمتهم ومعرفتهم أن لبنان أصغر من أن يُقسّم وأكبر من أن يُبلع. فهو الذي بادر مع آخرين وأحياناً قبلهم الى إزالة “آثار ثورة 1958” بشعار لا غالب ولا مغلوب، الذي كان مقبولاً بل مبرّراً في ذلك الحين. علماً أنه لم يعد كذلك مع الوقت. وقد أثبتت ذلك حروب لبنان الأهلية وغير الأهلية بين 1975 و1990 والحروب داخل “العائلات” اللبنانية ولجوء قادتها كلّهم الى الاستعانة بخارجٍ ما لتأمين “الغلبة”. كان صائب بك المعروف بالقرنفلة على سترته وبسيغاره شاهداً من بعيد على ذلك فأكلته الحسرة لكنه رأى في حينه بصيص أمل في دخول رفيق الحريري مطالع الثمانينات من القرن الماضي الحقل العام، فمنحه بركته وثقته ثم غادر هذه الدنيا الى جوار ربه وفي قلبه بعض إطمئنان.




قد يسأل البعض لماذا الكلام عن رجل دولة مميّز صار في دنيا الحق في حين أن موضوع “الموقف هذا النهار” اليوم هو رئاسة الحكومة وفرص نجله الأكبر تمّام بك في العودة إليها مرّة ثانية إذا “فرجها الله” على لبنان بوضعه شيئاً من الرحمة في قلوب العباد ومن الحكمة في عقول قادة شعوب لبنان وطوائفه ومذاهبه وأحزابه كي يتخلّوا عن أنانياتهم ويُفسحوا في مجال تأليف حكومة تُنهي الذل الذي أوقعوا فيه مواطنيهم، وتوقف الفساد العام وتخطّط جدياً لدولة المواطنة التي عاش المخضرمون والكهول من اللبنانيين في ظلّ شيء منها قبل حروب 1975 وما بعدها؟ الجواب هو أن تمّام بك مرشّح طبيعي لرئاسة الحكومة يؤهّله لذلك علمه وإرثه السياسي والوطني وتجربته الحكومية الأولى حتى الآن مع الرئيس الحالي للجمهورية ميشال عون. طبعاً لم يُحالف هذه التجربة النجاح لأسباب جوهرية لا يُسأل عنها وحده لأن شركاءه في السلطة والمنظومة السياسية القابضة على البلاد يتحمّلون المسؤولية الأكبر عن الإنهيار الأكبر والأخطر الذي يعيشه لبنان اليوم. لكن تمّام بك أظهر حكمة وصبراً في التعاطي مع المشكلات ومحاولات التعطيل المتنوّعة الأسباب والدوافع قلّ نظيرها، وإن اضطُر مرّة واحدة وفي جلسة لمجلس الوزراء الى “زجر” شخصية سياسية صاحبة دور كبير في البلاد يعتبره الكثيرون معطّلاً بعدما بالغ في ممارسة الاستفزاز والتحدّي. وأظهر مسؤولية بامتناعه عن المناكفة رغم تمسّكه بثوابته، كما بعدم اتخاذه قرارات توقع البلاد في فراغ كالذي يعيشه لبنان اليوم. وصبره هذا مارسه في أثناء المدة الطويلة للتأليف كما بعده. وهذا أمرٌ يؤهّله للعودة الى السراي الحكومية ولا سيما أنه غير بعيد من “الزعيم السنّي الأبرز” اليوم الرئيس سعد الحريري ومحترم من المرجعيات الدينية السنّية والمسيحية ولأسلوبه الهادئ بعض تقدير في الوسط الشيعي. في هذا المجال لا بد من الإشارة الى أنه لم يسعَ يوماً الى المواقع تلبية لشهرة ما. ففي أول انتخابات نيابية أُجريت بعد اتفاق الطائف تضامن مع غالبية المسيحيين وفي مقدمهم البطريرك الماروني نصرالله صفير فقاطعها معهم ترشيحاً وانتخاباً وهذا تضامن يُشكر عليه لمعانيه رغم أن المقاطعة في حينه لم تكن في محلها بل كانت مؤذية للبنان وللمسيحيين فيه في صورة خاصة في نظر كثيرين.

هل يأتي تمّام بك سلام رئيساً لحكومة جديدة في حال اعتذر الرئيس المكلّف سعد الحريري؟ تفيد المعلومات أنه استُمزج في هذا الموضوع أكثر من مرّة من جهات داخلية وربما دولية. فكان جوابه عدم الترحيب لأن الوضع السنّي الذي حال دون نجاح حكومته وأيضاً دون تأليفها في سرعة صار أكثر سؤاً بل ربما ميؤوساً منه. فالذين سيتعاطى معهم في السلطة لا يزالون على مواقفهم المعطّلة والمستعصية التلبية، لا بل ازدادت عصبيتهم ومعها تمسّكهم بمواقفهم وإن غير دستورية وأبرزها ضرب اتفاق الطائف بأعراف ترفضها شعوب لبنانية أخرى. أوقع ذلك لبنان في الإنهيار المتنوّع وجعل دولته فاشلة وشعبه فقيراً مذلولاً ومنظومته السياسية الفاسدة أكثر شراسة في العمل للمحافظة على مواقعها ومكاسبها. إلّا أن السؤال المهم هنا هو: ما الذي يُمكن أن يُشجّع تمّام سلام على التفكير الجدي في تولّي المهمة الحكومية الصعبة بل شبه المستحيلة في المرحلة الراهنة؟ يُجيب البعض أن تشجيع المملكة العربية السعودية له على قبول المهمة ربما يحفّزه على قبول التكليف إذا طبعاً اعتذر الرئيس المكلّف وسهّل الرئيس الأول المسؤول مع “نسيبه” عن قسم مهم من العقبات التي أبقت حتى الآن أي بعد ثمانية أشهر من التكليف لبنان بلا حكومة. هذا أمرٌ يفيد لبنان إذ يعني أن المملكة عادت الى الاهتمام به، وأنها قد تعاود مساعدته إذا سُهّلت مهمة التأليف ولاحقاً إذا بدا أن حكومة سلام سيساعدها القادرون والمعرقلون والمعطّلون وأصحاب الشهوات بدلاً من وضع العصي في دواليبها. أخيراً ماذا عن الفساد؟ مثلما جاء في “الموقف هذا النهار” أمس عن الرئيس فؤاد السنيورة فإنه لن يتعرّض لفساد ما عند تمّام بك ولن يؤكد غيابه. فهذا رهن بمعلومات غير متوافرة. لكن يمكن الإشارة الى أن سمعته في هذا المجال أقل تلطّخاً وبكثير من غيره.

هل يأتي نجيب ميقاتي رئيساً مرّة ثالثة لحكومة لبنان؟