ميقاتي: فقدنا ثلاثة أركان… والخارج لا يريد للبلد أن ينهار

ابراهيم بيرم – النهار

كل من يعرف الرئيس #نجيب ميقاتي عن كثب، يدرك فوراً أنه سياسيّ بارع يتقن فنّ الاحتجاب والظهور، واستطراداً قيمة الصمت ومعنى البوح.




من باب الزهد، يبرّر هذا الاحتجاب والغياب عن ساحة تحتاج لقول سديد وفعل رشيد، من بوابة أنه “يعرف حدوده” ويعرف أنّ ثمة قولاً مأثوراً أطلقه منذ قرون إمام كبير فحواه “رحم الله امرئاً عرف حدّه ووقف عنده”.

وبرغم التعفف هذا، المحسوب عنده بميزان الذهب، وهو أحد مركّبات شخصية هذا السياسي، الذي بات مخضرماً. فإنّ الجالس إلى محضره يستشعر فوراً بأنّ صمته سابقاً هو صمت العارف بالخبايا والمحيط بالتفاصيل.

مفتاح الحديث معه كان بطبيعة الحال الحدث الأحدث، المتمثل بالأطروحة السياسية التي قدمها أول من أمس رئيس “التيار الوطني الحر” جبران باسيل.

وبرغم أنّ ميقاتي يختزن ملاحظات عديدة على بنود هذه الأطروحة، “التي بدت في بعضها سامّة وتوحي بأنّ الأمور ذاهبة نحو مزيد من التأزيم والتعقيد والتصعيد، وأنّ من يقدّم هذه الدفوع على هذا النحو لا يمكن أن يقنعك بأنه فعلاً يريد للفراغ الحكومي أن يُملأ بأسرع ما يكون”، بالرغم من “أنّه (باسيل) انطلق في هذه الأطروحة من مسلّمة مكرورة، فحواها أنه لا يجد مرشحاً للرئاسة الثالثة إلا الرئيس سعد الحريري”.

لكن، رغم كل ذلك، يلفت ميقاتي إلى أنه يجد في طوايا كلام باسيل عن “تحكيم الأمين العام لـ “حزب الله” السيد حسن نصرالله في موضوع تأليف الحكومة الجديدة وشروط تأليفها، فرصة يمكن للسيد نصرالله أن يتلقّفها ويبني عليها، بغية المضيّ فعلاً نحو مهمة توفير الظروف المواتية لإنضاج فعليّ للطبخة الحكومية، وإخراج المسألة من عنق الزجاجة حيث هي منذ أشهر”.

ويشير إلى أنّ ثمّة عوامل وعناصر مساعدة للسيد نصرالله، إن شاء أخذ “عرض القبول بتحكيمه في أمر على هذا النحو من الأهمية والحساسية، وخصوصاً لجهة علاقته بالرئيس نبيه بري، والاستفادة من موقع هذا الرجل، عبر إعادة الدفع قدُماً بمبادرته الشهيرة”.

ولكن السؤال عند ميقاتي حيال ذلك، يبقى عند حدود السؤال غير اليقيني عن “توفر الرغبة والقدرة والإرادة لدى المعنيين مباشرة بالموضوع”. وطبعاً ليس لدى الرئيس ميقاتي إجابة صارمة وحازمة يقدمها، لذا يفضّل أن ينضمّ الى صفّ المنتظرين لردّ الفعل على العرض الطازج والمتاح.
وفي ما يشبه “الانتفاضة” على الواقع السياسي الفارض نفسه بعناد، لدى الرجل رؤية سياسية نوعية حيال أزمة التأليف، تولّدت عنده بفعل تجارب الأشهر الماضية واختباراتها المكثّفة. وهي رؤية حالكة تميل إلى السوداوية. وهو إذ يصرّ على عدم الإفصاح عنها في الوقت الحاضر، إلا أنه بناءً على الإلحاح على البوح يتحدّث عن “الأطراف الخمسة المستفيدة من ديمومة أمد الفراغ الحكومي، وما ينتج عن ذلك من وقائع وما ينجم عنها من ارتدادات”.

واللافت في سياق الكلام المكثّف للرجل، أنّ الأطراف الخمسة (يذكرها بالاسم)، تعني ضمناً أنّ غالبية ألوان الطيف السياسي اللبناني الفاعل تبدو مرتاحة الى هذا الواقع المأسور. إذاً، مشكوك بنيّتها الذهاب الى “حكومة إنقاذ أو مهمة” في المرحلة الراهنة. وذلك انطلاقاً من حسابات وخلفيات بات أكثرها مكشوفاً، وقد خرج من دائرة الالتباس إلى مربّع الضوء والتداول، وخصوصا أنّ “منوال التبرير والتعمية والتغطية الذي كان المعنيون يلوذون به سابقاً، قد صار عاجزاً عن تلبية الحاجة”.

ولأنّ المجالس بالأمانات، يختار الرئيس ميقاتي، من مكتبه الواسع في المبنى الزجاجي المختلف في هندسته والمتاخم لمجمع (ستاركو) الشهير في وسط بيروت (باب إدريس ووادي أبو جميل)، أن يورد في عجالة ملاحظات ومآخذ “على سوء أداء وبؤس إدارة أطراف اللعبة السياسية الداخلية منذ انطلاق حراك 17 تشرين”. وفي لحظة ما تشعر بأنه لا يستثني أو يراعي، فهو على سبيل المثال لا يجد غضاضة في إطلاق إشارة صريحة مفادها، أنه لم يكن راضياً عن إغفال البيان الأخير للمجلس الشرعي الأعلى لأدوار عواصم عربية إقليمية تعني الكثير لمرجعية الطائفة. وإغفالها على هذا النحو غير المسبوق هو من وجهته، “موقف يدرك كنهه ودلالاته العالِمون ببواطن الأمور وتفرّعاتها”.

ولأنّ الحديث مع ميقاتي حديث ذو شجون في مرحلة شاعت فيها الشجون، وحفلت بأحاديث الأوجاع… شاء أن يطلق استنتاجاً فحواه أنّ الوضع اللبناني هو، منذ انطلاق الحراك قبيل أقل من عامين، صار أشبه ما يكون بوضع حافلة ركّاب تعطّلت فراملها ومكابحها، وهي تندفع بسرعة قياسية نحو الهاوية. والطامّة الكبرى أنّ ركاب الحافلة والمعنيّين بالحدث، الذين بإمكانهم أن يتداركوا الأمر ويحولوا دون الارتطام الكبير، يبادرون الى الحفر أكثر، من خلال أدائهم المتعنّت، ومن خلال المكابرة وتضييع الفرص فضلاً عن كسب الانتخابات وزيادة المقاعد النيابية .

وبناءً عليه، تصير الحلول عند العضو الثاني في رباعي “نادي رؤساء الحكومات السابقين”، بمثابة رؤى أقرب ما تكون الى صفّ التكهّن والاحتمالات. لكنه في موضع ما، يستشعر بأن ثمة من انتقل نهائياً الى مربع عقد الرهان على استنتاج حاصل لا محالة، وأساس هذا الرهان أنّ الارتطام صار حتمياً لا رادّ لقضائه، وأمر وشيك النفاذ. لذا صار التداول متركزاً على طروحات من نوع كيفية إعادة ترميم الباص المتهالك ونوعية إطاراته، وممَن نستوردها من الصين أو كوريا أو… مع العلم أنّ ثمة قناعة أيضاً بأنه لا عودة الى لبنان الذي عرفناه منذ عام 1990. وعليه، أُعيد الاعتبار أخيراً الى دعوات من نوع الفيدرالية، والرهان على مؤتمر تأسيسي. وفي السياق عينه، يكشف أنه التقى أخيراً “دعاة الفيدرالية” الذين قدّموا له طرحاً متكاملاً وشاملاً عن أبعاد تلك الدعوة والدافع اليها. ولا يخفي “أنّ في طيّات هذا الطرح ما يلفت ويثير الاهتمام”، ولكنه بادر فوراً بعد محاورته إياهم الى دعوتهم الى تغيير عنوان الطرح المحوري (الفيدرالية في الجمهورية اللبنانية).
وفي كلّ الأحوال يتبدى أنّ لدى ميقاتي قناعة بأنّ لبنان على وشك أن يفقد ثلاث ميزات، كان يباهي بها طوال عقود عديدة خلت هي:

– القطاع المصرفي.
– القطاع الاستشفائي، الذي يعيش حال نزف سريعة.
– القطاع التعليمي والتربوي.

ويتداعى الى ذاكرة ميقاتي، وهو خرّيج الجامعة الأميركية، حكاية فحواها أنّ رؤساء أكثر من عشرين وفداً عربياً وغير عربي، حضروا حفل تأسيس الأمم المتحدة في الأربعينيات كانوا من خريجي هذه الجامعة.

والذي يحفر حزناً أكبر في وجدان ميقاتي، شعوره الصريح بأنّ ثمة عاملاً يعمل لمصلحتنا، هو أنّ الخارج لا يريد لهذا البلد أن ينهار. لذا يُبدي الخارج استعداده دوماً للمساعدة، “لكن المشكلة هي عند أطراف الداخل، الموغلين في لعبة المكابرة وتضييع الفرص”.

بناءً عليه، يخرج الوافد الى محضر ميقاتي باستنتاج يتراوح بين الضبابية والسلبية، وبجملة “يصعب استعادة لبنان الذي عرفناه منذ مطالع التسعينيات”. وهو بطبيعة الحال يتشاطر هذا الاستنتاج غير المريح مع كثير من أركان “المشهد السياسي الحالي”، إذ ما من أحد يجرؤ على التبشير باستنتاج مضادّ.

وفي كل الأحوال يطوي ميقاتي صدره على مزيد من الكلام والأسرار، ولكن يؤجل البوح بها “للّحظة المناسبة”.