سمير عطا الله

إلغاء الموعدين والتعهدين – سمير عطا الله – الشرق الأوسط

في بدايات عهد الرئيس إميل لحود، أصدرت الزميلة مارلين خليفة مؤلفاً حول سيرة أشخاص من لبنان، كنت بينهم. وفي جواب على أحد الأسئلة قلت إنني قطعت وعداً على نفسي بألا أنتقد رئيساً للدولة بعد اليوم وهو في الحكم. والسبب أنني قسوت على الرئيس إلياس الهراوي بسبب الخلاف السياسي، فيما أنا اليوم أحد أقرب الناس إليه، أشعر بالندم على بعض ما كتبت.

حافظت على هذا التعهد مع الرئيس إميل لحود، الذي ظلت علاقتي به أفضل ما يمكن أن تكون عليه علاقة رئيس بصحافي. وقد تغيرت هذه العلاقة في سنواته الأخيرة، لكنني امتنعت عن المشاركة في معارضته. ولا أزال. عندما انتخب الجنرال ميشال عون رئيساً، كانت قد مضت عليّ سنوات في نقد أسلوبه ونهجه وخطابه. والمرة الوحيدة التي التقيته فيها قلت له، الصحافي لا يصنع سياسات السياسيين، لكنه يملك الحق في الاعتراض على خطابهم. وحضرتك تخاطب الناس مثل صدام حسين ومعمر القذافي. واحد يصف معارضيه بالكلاب الضالة، والثاني بالكلاب الشاردة، ونحن لا نقبل توصيف اللبنانيين بالسقايات (السحالي).




لم يغير الجنرال عون خطابه التحقيري ولا أنا غيرت موقفي من الخطاب. ولا من معركته الرئاسية. لكن يوم انتخابه كتبت مقالة «النهار» بما يمليه علي خلقي ومهنتي. قلت إن مرشحي كان جان عبيد، وقد خسر، والآن أصبح رئيس جمهوريتي ميشال عون، وأتمنى أن يعطيني، ويعطي كل لبناني عادي، كل فرصة ممكنة لتأييده. واتصلت بمدير الإعلام في القصر، ورفيقنا المخضرم في «النهار»، اطلب موعداً مع الرئيس. وبعدها طلبت السكرتيرة الصحافية لوزير الخارجية جبران باسيل، وقلت لها إنني أريد موعداً مختصراً للتهنئة، ولكي أبلغ الوزير أن لا مسألة شخصية في الأمر، وأريد أن أبلغه ما أردت إبلاغه لرئيس الجمهورية، وهو أنني أنتظر أول فرصة لأكون أول المؤيدين.

كنت أعرف سلفاً أن لا الرئيس و«لا الرجل الذي نما على يديه» سوف يأمران بالموعد، فيما لا تسمح انشغالاتهما الكبرى باستقبال وزير خارجية أميركا دون جعله ينتظر عشر دقائق كاملة مع موظفي الاستقبال وحواشي وزير الخارجية وآدابها الجديدة. لكنني لم أتوقع ألا يمنحني الرئيس أي فرصة على الإطلاق من أجل الإيفاء بالعهد في تأييد أي عمل يقوم به، ويكون خليقاً بذلك. غير أنني حافظت على التعهد الذي أعطيته لمارلين خليفة. لا كلمة عن الرئيس ما دام في السلطة. أما ما يأتي بعد، فالتاريخ أكبر من تلامذته مثلما هو أكبر من خيباته. بعد انفجار 4 آب الذي لا وصف له، وموقف السلطة الذي لا توصيف لبرودته الإنسانية والوطنية، شعرت أنني في حل من عهد مارلين خليفة. وبعدما تجاوز ما بعد الانفجار فظاظة الانفجار نفسه، وأخّر جبران باسيل حكومة يرضى عنها، أغلق الرئيس ووريثه غرفة الانتظار في وجه الجميع. وفي وجه الجمهورية كما عرفناها منذ مائة عام. بل في وجه لبنان.