النائب فؤاد مخزومي… لرئاسة الحكومة؟

سركيس نعوم – النهار

لم يفاجأ اللبنانيّون بطموح نائب بيروت فؤاد مخزومي إلى رئاسة الحكومة رغم الظروف الصعبة التي تمرّ بها البلاد والانقسامات السياسيّة – الطائفيّة – المذهبيّة – الحزبيّة – الشخصيّة الحادّة التي أفشلت منذ ثمانية أشهر أو أكثر بقليل تأليف حكومة جديدة بعد استقالة حكومة الرئيس حسّان دياب، التي يُجمع كثيرون على أنّه “أُجبِر” على تقديمها بعد “خطأ سياسي” ارتكبه، وأزعج المنظومة السياسيّة المُثلّثة الحاكمة وفي مقدّمها رئيس مجلس النوّاب نبيه برّي.




هو نائب سُنّي عن بيروت، وقد فاز بمقعده بعد عمل اجتماعي مُنظّم مارسه فيها وخارجها، ومنذ سنوات كثيرة أوّلاً في عزّ أيّام مؤسِّس الحريريّة الشهيد رفيق الحريري ولاحقاً في “عهد” وريثه ابنه سعد. ساعدته التجربة الطويلة في صقل نفسه في الداخل اللبناني وفي الخارجَيْن العربي – الإقليمي والدولي، كما في اكتساب معارف عدَّة يحتاج إليها كلُّ سياسيٍّ أو طامح إلى العمل السياسي. طبعاً لا يرمي هذا الكلام إلى مقارنة الرجلين إذ بينهما أوجه تشابُه وأوجه اختلاف. فضلاً عن أنّ مخزومي لا يزال في حاجة إلى التحوُّل “رجل الحلّ” في البلاد في رأي الخارج المعني بها كما كان الحريري الأب. علماً أنّه بدأ سلوك هذه الطريق. لعلَّ ما يُميِّز مخزومي عن مُرشّحين آخرين #لرئاسة الحكومة هو أنّه لم يكُن في صلب الحياة السياسيّة في البلاد في العقدين الأخيرين وقبلهما إذ كان في بداية نشاطه العام. يعني ذلك أنّه لم يكن مُشاركاً في فساد منظومتها القديمة والجديدة التي أوصلت لبنان إلى الانهيار الأخلاقي والدولتي والصيغوي والميثاقي والنقدي والمالي. وعدم مشاركته في الفساد كان أحد أبرز أسبابه، إلى شخصيّته ربّما، كونه رجل مال وأعمال بل بالأحرى رجل صناعة يعمل في الخارج من زمان، وامتنع عن العمل داخله حتّى في حقله الصناعي بعد تجربة يتيمة وقديمة فشلت لاعتبارات عدّة ليس الفساد بينها بل ربّما انعدامه.

هل ينجح النائب مخزومي في دخول الحكم رئيساً للحكومة وتالياً للسلطة التنفيذيّة في البلاد؟ يُرجِّح مُتابعو حركته الرامية إلى تحقيق طموحه أن ينجح في الاحتفاظ بمقعده نائباً لبيروت في الانتخابات المقبلة إذا أُجريت جرّاء الخيبات التي تسبَّب بها المُمثَّل الأوّل للسُنَّة في لبنان حتّى الآن على الأقل الرئيس سعد الحريري، كما جرّاء تأييده التحرُّك الشعبي الواسع الذي بدأ في 17 تشرين الأوّل 2019 الرافض للفساد والمُطالب بالتغيير، كما جرّاء نسجه علاقات مُهمّة مع الناخبين البيارتة وجهات سياسيّة ونيابيّة عدّة. أمّا وصوله إلى رئاسة الحكومة فلا يزال غير مُرجّح رغم تداول اسمه كثيراً في وسائل الاعلام وعلى مواقع التواصل الاجتماعي ورغم بدء الدول المعنيّة بلبنان من عربيّة وأجنبيّة اعتباره مُرشّحاً محتملاً، وأخيراً رغم تفضيل رئيس الجمهوريّة ميشال عون إيّاه على الحريري. وهذا أمرٌ تحدَّث به الرئيس المذكور مع جهات داخليّة عدّة أبرزها أحد طرفَي “الثنائيّة الشيعيّة” أي “حزب الله”.
لعدم الترجيح المُشار إليه أسبابٌ عدّة أوّلها معرفة اللبنانيّين الذين يُحمِّلون عون مسؤوليّة انهيار بلادهم أنّه يُفضِّل مخزومي لرئاسة حكومته الأخيرة على الأرجح. ومعرفة السُنّة اللبنانيّين ذلك أيضاً ولا سيّما ناخبيه في بيروت. وهذا أمرٌ يُزعجهم إذ أنّهم يتّهمون عون بتعمّد تعديل “اتفاق الطائف” بقوّة الشيعة لاستعادة صلاحيّات له تقلّصت بعد منح الدستور الجديد إيّاها إلى رئيس الحكومة السُنّي.
كما تُزعجهم معرفة أنّ موقف عون يؤيّده وريثه في رئاسة “التيّار الوطني الحر” النائب جبران باسيل أو ربّما كان هو سببه. ويدفعهم ذلك إلى التساؤل عن خلفيّات الموقفين. ثاني الأسباب التأييد المُطلق لرئيس مجلس النوّاب نبيه برّي للحريري رئيساً للحكومة الجديدة. ثالثها تمسُّك “حزب الله” بالحريري للموقع نفسه رغم أنّ البلاد المُنهارة ربّما تفرض عليه تعديل موقفه. فضلاً عن عدم استحسانه المخزومي رئيساً للحكومة بسبب عدم طواعيّته وانتقاله إلى انتقاد مُمارسات “الحزب” في العلن رغم تقديره القويّ لتحريره الجنوب من الاحتلال الاسرائيلي. رابعها عدم تأييد الزعيم الدرزي الأبرز وليد جنبلاط مخزومي رئيساً للحكومة رغم أنّه لم يُعبِّر عن ذلك صراحة يوماً، ودافعه إلى ذلك إدراكه الأخطار المصيريّة التي تُهدِّد شعوب لبنان كلِّها ومنها شعبه الدرزي وإصراره على أنّ التسوية السياسيّة هي المدخل إلى العمل لبدء إنهاء معاناة اللبنانيّين. وجنبلاط يعرف أنّ لا تسوية كهذه إذا لم يكن “حزب الله” عرّابها أو جزءاً منها واستطراداً شريكاً في “الثنائيّة الشيعيّة”. أمّا الأفرقاء السياسيّون الآخرون على أهميّتهم وعلى تنوُّع انتماءاتهم الطائفيّة والمذهبيّة فمشغولٌ بعضهم بتصفية الحسابات مع المنافسين على الزعامة ولا سيّما المسيحيّة أو على الرئاسة، ومشغول بعضهم الآخر باستمرار حظوته لدى الحلفاء الإقليميّين وإن مُتخاصمين أو مُتعادين أو مُتحاربين. يدفعه ذلك إلى الاستئناس برأي هؤلاء وإن في موضوعٍ لبنانيٍّ بحت.
في اختصار لا يشكُّ “الموقف هذا النهار” في صدق نيّات النائب مخزومي وفي وجود برنامجٍ له سيعمل على تطبيقه إذا صار رئيساً للحكومة كما في محاولته التعامل مع الفساد بقوّة. لكنّه يُرجّح أن لا يُمكّنه الرئيس عون أوّلاً ومن ورائه باسيل ولا المنظومة السياسيّة الفاسدة المُنتمية إلى الطوائف والمذاهب كلِّها من تطبيق برنامجه ومن ممارسة سياسته التي لا بُدّ أن يكون هدفها المحافظة على “اتفاق الطائف” وعلى الدور السُنّي وتنفيذ إصلاحات لا يريدها “كبار لبنان” كلّهم وإلى استعادة البلاد من القابضين عليها وهم كثيرون. كما أنّ “الموقف هذا النهار” لا يتمنّى له أن يُعامل مثلما عومِل الرئيس حسّان دياب الذي أُجبِر على الاستقالة، والذي يتعرَّض إلى ضغوط متنوِّعة لتوسيع “حقل” تصريف الأعمال لا خدمة للبنان ولا حلٍّ لمشكلاته بل خدمة لمصالح خاصّة وفئويّة.
ماذا عن مُرشَّحين آخرين مُحتملين لرئاسة الحكومة مثل الرئيس فؤاد السنيورة والرئيس تمّام سلام والرئيس نجيب ميقاتي ونائب طرابلس فيصل كرامي وريث ثلاثة رؤساء حكومات هم الراحلون عبد الحميد ورشيد وعمر كرامي وعضو المحكمة الجنائيّة الدوليّة الدكتور نواف سلام؟