الاستعصاء العوني يُرحِّل التأليف لتثبيت “الأمر الواقع”… هل يضغط “حزب الله” لدفع الحريري إلى الاعتذار؟

ابراهيم حيدر – النهار

تضاءلت فرص تشكيل #الحكومة اليوم، فيما الصراع القائم يدفع الامور الى مزيد من الانهيار. يتركز الاستعصاء في قصر بعبدا في شكل رئيسي، أي لدى رئيس الجمهورية المعني بالأول بإيجاد صيغ تسووية ومخارج للأزمة، لكن الرئيس ميشال #عون مصر على شروطه، ليس في موضوع الحكومة فحسب، انما في ما يتعلق بالصلاحيات التي يفسرها على طريقة “الرئيس القوي” الذي يملك أكبر كتلة نيابية يريد تمثيلها في الحكومة وزيادة اسماء محسوبة عليه في تركيبتها. وحتى الآن لم يقدم عون مبادرات يبنى عليها أو تخرق الجمود القائم إلا بمزيد من الاستعصاء على إيقاع الانهيار. فلا خطة جديدة لكسر الحلقة المفرغة إلا بمزيد من التمسك بالشروط، وما يحكى عن الدعوة إلى طاولة حوار، ما هي الا محاولة لتضييع الوقت وموجهة في شكل رئيسي ضد رئيس مجلس النواب نبيه بري والرئيس المكلف سعد #الحريري. ولو كانت الامور سالكة لكان عون بادر إلى إبلاغ أي عنصر إيجابي إلى الممثل الاعلى للاتحاد الاوروبي للشؤون الخارجية والسياسة الأمنية جوزيب بوريل. فتشكيل الحكومة معلّق، لا بل أننا عدنا إلى نقطة الصفر مع الرفض المطلق من عون لترؤس الحريري الحكومة.




الوجهة الجديدة لعون تتمثل بمحاولة سحب المبادرة من يد الرئيس نبيه بري، فالدعوة الى طاولة حوار، تعني أن رئيس الجمهورية قد طوى موضوع تشكيل الحكومة برئاسة الحريري، وهو لا يريده رئيساً، ولن يوقع اي تشكيلة يقدمها اليه، وهذه الورقة هي للضغط على بري للتراجع عن موقفه المتمسك بالحريري ودفع الأخير إلى الاعتذار، لكن هذا السيناريو يعني أن حجز الحكومة سيستمر لأشهر طويلة في إطار الصراع القائم والاستعصاء الذي يكلّف البلد أثماناً باهظة.

يتشبث عون بالحكم بلا حكومة، وهو لا يكترث لوجود حكومة تصريف أعمال لا يمارس رئيسها مهماته، ولا يمانع وفق مصدر سياسي متابع، إذا بقيت هذه الحكومة حتى الانتخابات النيابية. لكن حكومة دياب لا تستطيع أن تعقد اجتماعات رسمية، فيعود الامر لرئيس الجمهورية في القرارات وهو الذي يتابع مع الوزراء وعبر المجلس الاعلى للدفاع ويكرس صلاحيات أمر واقع بغياب الحكومة. وهناك مخاوف أن تذهب الامور الى فوضى سياسية وأمنية، بفعل الاستعصاءات، لدفع “#حزب الله” نحو التحرك باتجاه بري وممارسة ضغوط لدفع الحريري إلى الاعتذار من خلال سيناريوات تفرضها تطورات داخلية وإقليمية تذكر بمراحل سابقة من الأزمات الحكومية، وإجبار الحريري على الاعتذار إذا تبين له أن التأليف مكلف ومستحيل مع عون، وان كان اختيار رئيس جديد سيأخذ وقتاً في بازار سياسي وطائفي مخيف.

التصلب العوني، كان واضحاً حين ابلغ رئيس الجمهورية، بوريل أن “خصوصية الوضع اللبناني تتطلب مقاربة واقعية وتشاركية وميثاقية في تكوين السلطة التنفيذية”، مشدداً على موضوع الصلاحيات التي تعني في القاموس العوني أن ما تكرّس للعهد خلال السنوات الماضية من أعراف وتقاليد ودور مستعاد على ما أشار اليه رئيس التيار الوطني الحر جبران #باسيل لن يتم التخلي عنه، حتى لو كانت ممارساته مخالفة للدستور وهي تنتزع من موقع الرئاسة الثالثة صلاحيات في التشكيل وفي القرار داخل الحكومة، لكن هذا الدور المستعاد منذ 2005 الذي يريد باسيل الحفاظ عليه، ساهم أيضاً في انهيار البلد، خصوصاً وأن التيار العوني في الحكم وتولى رئيسه مقام رئاسة الجمهورية، وهو موقع لن يتخلى عنه حتى مع انتهاء الولاية ما لم يضمن تثبيت ما كرّسه بالقفز على التوازنات، دستورياً.

ما يمارسه عون تولى الافصاح عنه بوضوح جبران باسيل، فالمشروع العوني الذي بدا أنه ينقلب على الصيغة في ظروف كارثية في البلد، يسعى للانقضاض على ما تبقى من اتفاق الطائف، تحت أوهام، ليس استعادة الصلاحيات فحسب بل لتكريس وقائع جديدة في الحكم، ولا بأس اذا استخدمت كل الأسلحة المتاحة حتى لو بقي البلد في حالة فراغ حكومي ويتدحرج نحو الهاوية. ولا شك في أن دعوة باسيل “حزب الله” للتدخل، ليست خارج السياق، بل قد تعيد خلط الاوراق في المعركة السياسية، إذ سلّم لمرجعية السيد حسن نصرالله لحسم الامور، وقفز عن المعضلة عند ميشال عون الذي يرفع من سقوفه واستعصاءاته، ويحمل على كتفه طموحات باسيل الرئاسية، علماً أن الأخير يختلف مع معظم القوى ولا اجماع عليه رئيساً في الاستحقاق المقبل، ولا يمكنه تكرار تجربة عون التي جاءت به رئيساً في 2016، خصوصاً وأن الظروف مختلفة وحسابات القوى التي انتخبت عون تختلف اليوم، حتى لو كان الانتخاب في ذلك الوقت بمثابة التعيين.

وخلف هذا الاستعصاء مواقف لا تمت بصلة الى الاصلاح أو ما يرفعه صهره باسيل من شعار حماية المسيحيين، فالممارسات السياسية لرئيس الجمهورية وتياره لم تتغير وهي نفسها التي ساهمت مع كل الطبقة الحاكمة في النزول إلى القعر. والواضح أن العزلة التي يعانيها باسيل دفعت رئيس الجمهورية الى التشدد أكثر. لكن الأمور قد تتغير إذا رأى “حزب الله” أن تشكيل الحكومة لا يمر إلا بعد اعتذار الحريري، وهذا الامر يجب أن تتوفر له معطيات إقليمية وحسابات ترتبط بملفات المفاوضات في المنطقة.

المشكلة أن عون يخوض صراعه كطرف سياسي في موقع الرئاسة، وهو أمر لا ينفصل عن موقف باسيل، ولا يمارس دور الحكم الذي يبادر ويصوغ التسويات، ومنها ما يؤدي الى تشكيل الحكومة. وبتمسكه بصلاحيات الأمر الواقع التي تكرست بالتحالف مع “حزب الله” منذ 2016، يدفع الامور للانقلاب على اتفاق الطائف والدستور، ويبرر ذلك أن كل القوى عرقلت مشاريعه، لكنه في الوقت نفسه كان يشترك في المحاصصة ويعزز وضعه من خلالها. هذه الأوهام كما يصفها سياسي بارز، لا تمكن عون من الاستئثار، وهو اليوم عاجز عن إعادة تعويم تياره بالعزف على العصب المسيحي، وهذا التصلب يقيّد فرص الإنقاذ، كما أنه لا يعيد لجبران باسيل موقعه ودوره، ولا يعطيه حوافز لإعادة ترميم علاقاته واستعادة نبضه القوي مسيحياً ولبنانياً. فالخروج عن التسويات يؤدي إلى إغراق البلد أكثر ودفعه الى فوضى لا أحد يستطيع السيطرة عليها.