بكمامة… وبدون! – حسين شبكشي – الشرق الأوسط

في خلال سويعات قليلة لاحظ العالم تغيراً كاملاً للمشهد الذي ظهر به الرئيس الأميركي جو بايدن أمام الناس. والمشهد المقصود هو المقارنة التي كان لا يمكن إغفالها أبداً بين ظهور الرئيس الأميركي في بريطانيا خلال فعاليات قمة السبعة وهو يسلم بالكوع ولا تفارق الكمامة وجهه أبداً، وبعد ذلك لاحظ العالم تغيراً كاملاً في قمته مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، فكان السلام باليد والتربيت على الأكتاف والظهر، ولم يكن هناك أي أثر لكمامة الوجه لدى أي أحد من الموجودين.

واضح جداً أن الزعيمين كانا يرسلان رسالة مباشرة للعالم مفادها أنهما قررا الانتقال للمرحلة التالية، وهي التعامل مع تحدي إنعاش الاقتصاد بأي طريقة كانت، واستخدام كل المغريات الممكنة لتحقيق هذا الأمر. مغريات مثل إعفاءات جمركية وتخفيضات ضريبية واستثناءات في التكاليف والرسوم، فالكل يدرك أهمية التعاون والتكاتف لأجل الخروج بأمان وسلامة من هذا النفق الطويل المظلم. الولايات المتحدة صاحبة الاقتصاد العالمي الأكبر، وبعد أن تمكنت من تحقيق نسبة محترمة من معدلات تلقي اللقاح تمكنت من الوصول إلى خمسة ملايين جرعة يومياً، وتخطت نسبة الخمسين في المائة من تعداد سكانها في تعداد من تلقى اللقاح. وبدأت المطاعم والأسواق تفتح أبوبها للزوار والزبائن، وألغت كبرى الولايات مثل كاليفورنيا ونيويورك وتكساس وفلوريدا جميع القيود التي فرضتها الجائحة المدمرة عليهم وفتحت الزيارة بلا شروط ولا قيود تذكر.




وإذا لم يكن كل ذلك كافياً فهناك أيضاً الرسالة الإعلامية غير المباشرة التي تغيرت هي الأخرى تماماً، وذلك بعد أن توقفت جميع المحطات الإخبارية التلفزيونية في الولايات المتحدة عن إبراز أعداد المصابين والمتوفين وأصحاب الحالات الحرجة والمتعلقة بجائحة كوفيد – 19 حتى تكون الصورة بشتى توجهاتها مقنعة تماماً بأن البلاد مركزة على الفتح الاقتصادي تماماً، وأنها اليوم تجاوزت كل «أعراض» و«مؤشرات» الجائحة من الالتزام بارتداء الكمامة على الأنف والفم والالتزام بالتباعد الاجتماعي لمسافة مترين على أقل تقدير والتعقيم المستمر، والمتواصل للأيدي والامتناع التام عن القبلات والأحضان والمصافحة اليدوية.

كل هذا لم يكن له وجود في قمة جو بايدن مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين في المدينة السويسرية جنيف. واليوم هناك مجموعة مهمة جداً من أبرز المفكرين والكتاب في الغرب الذين قدموا كتباً في غاية الأهمية يراجعون فيها تجربة القيادة وإدارة الأزمات في مواجهة فيروس كورونا. من هذه الكتب كتاب الكاتب الصحافي الأميركي الكبير في مجلة «النيويوركر»، والحائز كبرى الجوائز المهنية الصحافية جائزة البوليتزر، لورانس رايت بعنوان «سنة الطاعون: أميركا في زمن كوفيد»، ويسلط المؤلف في هذا الكتاب وبشكل رئيسي على الفشل الهائل والكبير الذي حصل من قبل إدارة الرئيس الأميركي السابق دونالد ترمب والتخفيف الكبير من خطورة الفيروس، والاستهتار التام بالقيود الصحية التي فرضتها منظمة الصحة الدولية، وكان هدفهم المستمر هو تسييس التحدي الصحي لصالحهم حتى فشلوا في ذلك لتتحمل أميركا ومن ثم العالم، فاتورة التسييس الباهظة هذه.

ثم هناك كتاب «الهاجس: قصة جائحة» للمؤلف الأميركي صاحب المؤلفات العديدة الأكثر مبيعاً مايكل لويس الذي يقدم سرداً قصصياً مليئاً بالتسريبات والإفادات التي تأتي بين السطور وتدين سوء تعامل الإدارة الأميركية للرئيس دونالد ترمب مع الجائحة المدمرة وتبعياتها المدمرة. تبقى هذه الكتب كشهادات تاريخية مهمة لمؤلفيها عن حادث زلزل العالم لسنتين طويلتين. والآن بالقدر نفسه الذي كان فيه فرض الكمامة وارتدائها علامة طمأنينة أصبح الخلاص منها طمأنينة وعلامة الوصول إلى بر الأمان بعد رحلة كانت مليئة بالعواصف والأعاصير. التغيير سنة الحياة ودوام الحال من المحال.