صورة “عونيّة” قاتمة في الانتخابات النيابيّة المقبلة؟

سركيس نعوم – النهار

الأزمة الحكوميّة مُستمرّة على ما يبدو. فالرئيس المُكلّف سعد الحريري يبدو عاجزاً عن تأليفها بسبب الشروط التعجيزيّة في رأيه التي وضعها رئيس الجمهوريّة ميشال عون، كما بسبب ميله إلى بل قراره شبه المُعلن عدم الجلوس معه رئيساً للحكومة على طاولة مجلس الوزراء. الرئيس عون يبدو بدوره عاجزاً عن دفع الحريري إلى الاعتذار أو عن نزع التكليف منه بواسطة مجلس النوّاب جرّاء الودّ المفقود بينه وبين رئيس الأخير نبيه برّي، كما جرّاء تمسُّك حليفه “حزب الله” بالحريري رئيساً للحكومة الجديدة.




و”الحزب” المُمسك بمفاصل الدولة والبلاد لا يقوم بما يجب لإزالة العقبات من أمام تأليف الحكومة الجديدة رغم حلفه مع عون وصهره باسيل، ورغم تمسُّكه بالحريري رئيساً لها، كما رغم تحالفه مع برّي و”حركة أمل” الذي لا يبدو أن انخراطه أو على الأقل تصدُّعه على نحو خطير مُمكنٌ الآن وفي المستقبل المنظور. أمّا الأفرقاء الآخرون فكلٌّ منهم مُتمسِّك بموقفه و”مُتمترس” وراءه، وكلٌّ منهم يحاول إبعاد أيّ مسؤوليّة له عن الحال الراهنة التي وصلتها البلاد ورميها على الآخرين. والطعن في الظهر هو سِمَة العمل والحركة السياسيَّيْن داخل لبنان في المرحلة الراهنة. إنطلاقاً من ذلك فإنّ الأسئلة التي يطرحها لبنانيّون كثيرون اليوم هي: هل تجري الانتخابات النيابيّة في موعدها الدستوريّ بعد أقل من سنة أو بعد تقديم موعدها؟
هل تستطيع حكومة تصريف الأعمال إجرائها نظراً إلى استمرار تعذُّر تأليف حكومة جديدة؟ هل يُمدَّد لمجلس النوّاب أو تقع السلطة التشريعيّة في الفراغ جرّاء استمرار الفراغ الحكومي وعجز المنظومة السياسيّة عن الاتفاق على ما من شأنه تجنُّبه سواء بالانتخاب أو بالتمديد؟ طبيعي أن يتبع ذلك سؤال آخر يتعلَّق بانتخابات رئاسة الجمهوريّة في موعدها الدستوري بعد نحو ستة أشهر من انتهاء ولاية مجلس النوّاب الحالي وهو: من ينتخب الرئيس المقبل في حال غابت السلطة التشريعيّة بفعل انتهاء مدّتها الدستوريّة وعدم انتخاب الشعب بديلٍ منها؟ هل تبقى سُدَّة الرئاسة الأولى فارغة؟ ألا يؤدّي ذلك إلى القضاء نهائيّاً على الدولة والنظام والصيغة والمؤسَّسات، وإلى وقوع البلاد رسميّاً في فوضى الانقسام الطائفي والمذهبي وفوضى العنف الشعبي المُنظَّم وغير المُنظَّم من أجل تأمين مستلزمات الحياة في حدِّها الأدنى، كما فوضى تقاتل الأحزاب والميليشيات والطوائف والمذاهب وخصوصاً إذا مارس الخارج المُتنوِّع والمُتناقض تدخُّله في البلاد بواسطة وكلائه في الطوائف والمذاهب كلِّها؟

هذه الأسئلة كلّها لا جواب عن معظمها الآن رغم ميلِ قسمٍ مُهمٍّ من اللبنانيّين إلى أجوبة عنها لا توحي بالتفاؤل في المستقبل. وسيأتي يوم يبدأ الحديث عنها بوضوح أكثر وصراحة أكبر أي يوم تُصبح هي وأجوبتها واقعاً صعباً بل مأساويّاً في البلاد. لذلك كلُّه يكتفي “الموقف هذا النهار” بتناول موضوعات ثلاثة هي: هل ينجح “التيّار الوطني الحر” في #الانتخابات النيابيّة المقبلة إذا أُجريت ويحصل على أكبر تكتُّل نيابي مسيحي كما فعل في الانتخابات الماضية؟ وهل ينجح رئيس “تيّار المستقبل” سعد الحريري في الفوز بكتلة نيابيّة أصغر عدداً من كتل والده “الشهيد” ولكن مساوية لكتلته في مجلس النوّاب الحالي؟ وهل تحتفظ “الثنائيّة الشيعيّة” بتمثيلها نسبة مرتفعة جدّاً من بيئتها الحاضنة أي الطائفة الشيعيّة؟

عن هذه الأسئلة يُجيب “خبراء” من غير أهل “الاستطلاع” فيقولون أوّلاً أنّ الحل الوحيد للوضع القائم أو فتح الطريق له يكون بإجراء الانتخابات النيابيّة عاجلاً أفضل من آجلاً. ويتوقّعون أن يُصاب “التيّار الوطني الحر” بنكسة مُهمّة فيها. ذلك أن المُزاج المسيحي بدأ يتغيَّر وكذلك موقفه من التيّار. ولذا فإنّهم يُرجّحون عدم فوز أيّ مُرشَّح عوني في كسروان ولا سيّما إذا تحالف في انتخاباتها مُمثّلاها في مجلس النوّاب فريد هيكل الخازن وشامل روكز والنائب المستقيل نعمت افرام.
لكنّهم في الوقت نفسه يعرفون أنّ في كسروان قوّتين ناخبتين مُهمّتين هما “القوّات اللبنانيّة” والنائب السابق منصور غانم البون. فهل يتحالف الثلاثي المذكور معهما أو مع أحدهما؟ وألا يُفسح انقسامهما في وصول “عونيّ” إلى الندوة التشريعيّة؟ يُرجِّح هؤلاء أيضاً عدم فوز عوني في الدائرة التي تضم “بيروت الشرقيّة” ويعزون ذلك إلى سبب مهم هو التعاطي غير المُكترث للعونيّين رئيس جمهوريّة و”تيّاراً” بتفجير مرفأ بيروت في 4 آب الماضي. ويُرجّحون ثالثاً أن تكون معركة رئيس “التيّار العوني” النائب جبران باسيل صعبة في البترون. ويبدو أنّ نائب زحلة ميشال الضاهر الذي فاز على لائحة عونيّة سابقاً قويٌّ الآن. والثابت أنّ الناخبين السُنّة في هذه الدائرة أقوياء أيضاً، إذ يبلغ عددهم نحو خمسة عشر ألفاً. وفي البقاع الغربي للعونيّة نائب واحد يحتمل جدّاً أن لا يفوز هو أو من يحلُّ مكانه. في جبيل خاضت العونيّة وتحديداً باسيل معركة شرسة وعلنيّة ضدّ مُرشّح “حزب الله” وأسقطته. علماً أنّ في هذه الدائرة يُميِّل أبنائها الشيعة الدفّة الانتخابيّة إذا انقسم مسيحيّوها واحتفظوا هم بوحدة ثنائيّتهم. والمسيحيّون دائماً مُنقسمون. فـ”هل يردّ “الحزب” الرِجْل” لباسيل بالتفاهم مع حليفه الرئيس برّي؟ طبعاً لا جواب بعد عن هذا السؤال حتّى الآن على الأقل.
وفي عكّار يُرجَّح أن يبقى للعونيّة نائبٌ واحد. وفي جزّين ستخسر العونيّة لأنّ “حركة أمل” التي بينها وبين باسيل وعون ما صنع الحداد. إلّا إذا سامح “الحزب” باسيل على أخطائه معه وتصرُّفاته المقصودة ضدّه. فهل يُطبِّق “الحزب” مقولة “إن المسامح كريم” أم تكون له حسابات أخرى؟ وفي المتن الشمالي قد يفوز رئيس الكتائب سامي الجميل لأنّه قوي شعبيّاً وعوني واحد هو ابراهيم كنعان. أمّا في المتن الجنوبي فقد يفوز العوني ألان عون، علماً أنّ ذلك يتوقّف على التصويت الشيعي أوّلاً وعلى وحدة طرفَي “الثنائيّة الشيعيّة”. طبعاً لا يعني ذلك أنّ خسارة “التيّار الوطني الحر” ستكون بـ”جلاجل” كما يُقال، ولا سيّما إذا تدخَّلت “أجهزة” مُعيّنة في عدد من الدوائر التي لها وجودٌ فيها لمصلحته، إذ انّ إخفاقاً كبيراً له سيكون إخفاقاً للرئيس عون الذي لا بُدّ من المحافظة على حدٍّ أدنى من “وضعه” في رأي حُماته وأبرزهم “حزب الله”. أمّا الحريري وتيّاره “المستقبل” فقد يعودا إلى مجلس النوّاب بكتلة مساوية تقريباً لكتلتهما الحاليّة، لذلك سببان: الأوّل استمرار تأييد قسم مهمّ من السُنّة لهما لاقتناعهم بأنّ عون و”الحزب” يستهدفانهم، باعتبار المجلس الشرعي الإسلامي الأعلى إيّاهما خطّاً أحمر. والثاني تأييد الرئيس برّي له وتمسُّك “حزب الله” بربط النزاع القائم معه من زمان. أخيراً في المناطق الشيعيّة فإنّ التمثيل الشيعي لن يتغيَّر كثيراً بسبب تمسُّك “حركة أمل” ورئيسها بري و”حزب الله” بـ”الثنائيّة الشيعيّة” لأسباب مُتعدّدة يعرفها الجميع في لبنان لفرط تكرارها. أمّا الأسئلة الأخرى التي وردت في مطلع “الموقف هذا النهار” فإن الأجوبة عنها ستأتي لاحقاً.