جوزيف الهاشم - الجمهورية

وأنا.. أكتبُ لَـهُ خطابَ الإستقالة – جوزيف الهاشم – الجمهورية

تتألَّـف الحكومة أوْ لا تتألَّـف…

يعتذر، أَوْ لا يعتذر الرئيس المكلّف…




الموضوع: لم يعُـدْ بهذه السخافة…

الموضوع: أنَّ وطناً يكاد يصلّي اللـهُ عليه ويسلِّم…

وأنَّ حاكماً يسلِّم الشعبَ إلى جهنّم ولا يسلّم الحكم…

وأنَّ عالمَـاً ينتظر أنْ يُعلنَ مراسم الدَفْـن…

أنا… على سذاجتي السياسية، لم أعُـدْ أعرف ما إذا كان في لبنان:

حكمٌ وحاكمٌ وحكومة ومسؤول ودستور ورئيس.

جـلّ ما أعرف، أنَّ هناك رُكـامَ دولةٍ بلا حاكم، وأنَّ هناك ظـلاًّ لحاكمٍ بلا دولة.

وأنّ الشعب يُساقُ كما القطيع إلى مسلخ الذبح.

ولأنّني، ألمـحُ في الأفق مسيرةً مأساويةً وكأَنّـه مكتوبٌ لها أن تستمرّ حتى نهاية هذا العهد، بما يستتبع ذلك من رهانات مشبوهة وفراغات محتملة في الإستحقاقات.

ولأنَّ القوى المحلية والخارجية قد أعلنَتْ عجزَها استسلاماً حيال أزمـةٍ خانقةٍ تستعصي على الحـلّ.

فلم يعد من مجال لحماية الشأن الوطني الحـرّ، إلاّ بموقف جـريء حـرّ يتّخـذه التيار الوطني الحـرّ.

طالما راودتْني خاطرةٌ، بأنْ أتوجّـه بلغة عفوية مباشرة، إلى إخواننا في التيار الوطني الحـرّ، إلاّ أنني كنت أخشى أنْ أُواجَـهَ باجتهادات وتفسيرات مـنْ شأنها الإلتفاف غيـر المبرَّر على كـلِّ ما هو جوهر.

ولكن، لم يعد هناك سرٌّ مغطّى، وقد تعرَّت كل الشؤون والشجون الوطنية والسياسية من ستائرها البالية.

أنا أعرف دوافع انطلاقة شباب التيار الوطني الحـر، من أيّ بيئـة هـمُ، وما هو انتماؤهم الوطني وتفكيرهم السياسي وإيمانهم المطلق بلبنان سيّداً حراً لا شريك له.

وإنهم من أجل هذا اللبنان السيد الحـرّ المستقلّ خاضوا ميادين قتال ضـدّ كلّ طغيانٍ وسيطرة واحتلال، ولا إخالهم يرضون بأنْ يكون هذا العهد الذي هو عهدهم شاهداً على انهيار لبنان حتى آخر حجرٍ من أركانه.

ولا إخال أنّ التيار يسير عكس التيار فيقف متفرّجاً أمام وطـنٍ يحتضر وشعب يتسوّل أمام الجمعيات الخيرية، لدرجة أنّ الجيش – في عهد الجنرال – بات يستعطي المعونات من دول الخارج من أجل معالجة الحاجات والقيام بالمهمات.

ولا نقبل ولا يقبلون بأنْ يُستهدف لبنان في كلِّ خصائص وجوده التاريخي، وتتبـدّد فيه كلُّ المقومات الحياتية البدائية، بل «البدوية»، وقد أدّى الفقر الماحق والـذلّ الخانق وفقدان الأمل بالمستقبل إلى التدافع في النزوح حيث للإنسان كرامة وحـقٌ وارتزاق ، فيما يصبح لبنان المفرَّغ من محتواه الحضاري والإنساني وطناً لشذَّاذ الآفاق وأفواج الطارئين.

هل نقبل ويقبلون بأنّ نتلهّى بذريعة حقوق المسيحيين وتسمية الوزيرين المسيحيين، مقابل انعزال الرئاسة المسيحية الأولى.

وهل يضمن الذين يراهنون على رئاسة الجمهورية أنْ تبقى هناك رئاسة جمهورية في القصر الجمهوري المخطوف…؟

هل يتخيّـلُ أحـدٌ، كيف يمكن أنْ يصـفَ المؤرخون عهد الرئيس ميشال عـون مقارنةً بالعهود السابقة منذ إعلان الجمهورية الأولى…؟

وماذا يقولون عن لبنان الذي تعهّد العهد بأن يجعله أفضل مما كان، وقد أصبح أسوأ مما كان عليه في العهد العثماني والحرب العالمية الأولى…؟

عفواً… أنا لا أحـرّض بعضهم على بعضهم وقد بكى بعضي على بعضهم معاً.

بل أحرص على موقف يحفظ مـاءَ وجـه لبنان ومـاءَ وجـه الرئاسة معاً، ولا أرى إلاّ مبادرة تاريخية يقـف فيها الرئيس عـون بكِبَر أمام الشعب ويُعلن هو استقالته معلَّلةً بأسبابها الملحّة.

وإني مستعدٌ – مخافة أنْ يعرّضوه لمزيد من التورّط – لأن أكتب أنا خطاب الإستقالة بما يحفظ ما تبقى من هالـةٍ للجنرال لا تزال ترتسم في الأذهان.

هذا خيـرٌ له ولنا، من أن يستمرّ واقفاً على شرفة القصر، يتفرّس في المأساة كشاهدٍ على الضحية.