كيف يربح الحريري معركة يخوضها من دون حلفاء؟

سركيس نعوم – النهار

يؤكّد المتابعون أنفسهم للحركتين السياسيّة والشعبيّة للرئيس المُكلّف سعد الحريري أنّه ولأوّل مرّة منذ تعاطيه السياسة بعد استشهاد والده وحيد في ساحتها لا حلفاء له ولا أصدقاء باستثناء الرئيس نبيه برّي وليس “الثنائيّة الشيعيّة” لأنّ تمسُّك شريكه فيها أي “حزب الله” بالحريري أملته ولا تزال تُمليه مصالح فئويّة محليّة وإقليميّة. أما العواطف والصداقة وحتّى الشراكة فغائبة كلّها عن هذه العلاقة. الأدلّة على ذلك أكثر من أن تُحصى. فالزعيم الدرزي الأبرز وليد جنبلاط وقف معه بكل قوّة بعد اغتيال والده وتعاونا على مدى سنوات وفاء لـ”الشهيد” وحرصاً على استكمال مسيرته في تحرير البلاد من نظام سُمّي “أمنيّاً سورياً – لبنانياً” مشتركاً. علماً أنّه كان في الواقع نظاماً سوريّاً فقط. وهو اليوم على خلاف معه لأسباب متنوّعة يُسأل عنها هو أهمّها عدم جديّته في التعاطي السياسي والشعبي وإخفاقه في مجال الأعمال وفي المحافظة على التحالفات الإقليميّة والدوليّة التي أسَّسها والده، كما في الاحتفاظ بالرصيد الشعبي الضخم الذي تركه. لا يعني ذلك طبعاً انتفاء أي مسؤوليّة لجنبلاط عن تردّي العلاقة مع الحريري وعن “الترجرج” في المواقف السياسيّة الذي أملته عليه مسؤوليّته عن منطقته وشعبه أوّلاً وفي الوقت نفسه مسؤوليّته الوطنيّة اللبنانيّة.




و”حزب القوات اللبنانية” الذي كان أحد أقرب الحلفاء الداخليّين إلى الحريري الإبن ابتعد عنه في السياسة كما في العلاقة الشخصيّة. وربّما يكون حلَّ محلّه حليفاً موثوقاً في معقلين عربيّين مُهمّين كانا سنداً قويّاً له وقبله لوالده الراحل هما المملكة العربيّة السعوديّة ودولة الإمارات العربيّة المتّحدة. الخلاف بينهما صار علنيّاً ولا يُخفيه الإثنان ولا سيّما بعد تحوُّله شبه قطيعة وبعدما صار الإعلام ومواقع التواصل الاجتماعي وسيلة تكرّس شبه القطيعة جرّاء الخلاف على كلِّ شيء تقريباً. علماً أنّ الإنصاف يقتضي القول أنّ خلافهما بدأ يوم رشَّح جعجع نفسه لرئاسة الجمهوريّة علماً أنّ الحريري أيّده في حينه. لكنّه كان يعرف أنّ حظوظ نجاحه ضعيفة أو معدومة، وربّما كان يُفضِّل في حينه مؤسِّس “التيار الوطني الحر” العماد ميشال عون بدلاً منه. كما لم يكن عنده فعليّاً العدد الكافي من النوّاب لتأمين نصاب جلسة الانتخاب (ثلثين) وفوز جعجع. لكنّ ذلك لا يُخفي حقيقة أنّ الزعيمين اشتركا في ارتكاب “خطيئة مميتة” جعلت الدولة فاشلة تماماً ومُنهارة على كل الصعُد هي تأييد الحريري عون لرئاسة الجمهوريّة، واندفاع جعجع نحو تفاهم معه ومع تيّاره من شأنه في رأيه إزالة الأحقاد والضغائن بين جمهوريهما في الشارع المسيحي والسيطرة عليه معاً وتقاسهما المواقع الأساسيّة التي من حصّة المسيحيّين في الدولة.
نتج من ذلك ترشيح جعجع عون لرئاسة الدولة فتلاقى مع الحريري وفي الوقت نفسه مع عرّاب مُرشَّحه وحليفه ومُغذّيه بكل أنواع الدعم والتأييد “حزب الله”. لا يفيد هنا قول البعض من القريبين من “القوّات” أنّ هدف “تفاهم معراب” وربّما لاحقاً ترئيس عون كشفه أمام الرأي العام المسيحي بل أمام اللبنانيّين. وإذا كان ذلك صحيحاً فإنّه يعني أنّ “القوات” مسؤولة بدورها عن خراب دولة لبنان ونهاية نظامه وميثاقه الوطني وصيغته وافتقار شعبه ونهب غالبيّة المنظومة اللبنانيّة ثروات البلاد وشعوبها. يعني أيضاً أنّ الحريري مسؤول وبالنسبة نفسها عن هذه التطوّرات السلبيّة والخطيرة في آن. طبعاً لا يعني ذلك أنّهما وحدهما يتحمّلان هذه المسؤولية بل يتحمّلها معهما الفريق الأقوى المعروف الذي أجرى حسابات دقيقة بعد تحديد واضح لمصالحه وأهدافه فاستخدم تفضيل جعجع عون رئيساً على سليمان فرنجية، وتوهَّم الحريري أنّ تفاهمه أو شراكته (السابقة) عبر أحد أنسبائه مع وريث عون في رئاسة “التيّار الوطني الحر” سيُمكّنه من الإمساك بالبلد سياسيّاً وفي مجالات أخرى. علماً أنّ لذلك مضاعفات سلبيّة ربّما يعانيها الآن هذا الفريق اللبناني الأقوى بعدما صار مسؤولاً ليس عن حماية لبنان من اعتداءات اسرائيل عليه بل عن اللعبة السياسيّة البرلمانيّة والحكوميّة على نحو مباشر وشريكاً في مسؤولية سائر أركان المنظومة السياسيّة عن الانهيار المتنوِّع والمروِّع للبلاد. الاثنان الوحيدان اللذان لم ينخرطا في مشروع ترئيس عون كانا “حركة أمل” وكتلتها النيابيّة ورئيسها ورئيس السلطة التشريعيّة نبيه بري، ورئيس “تيار المردة” وكتلته على صغر حجمها النائب في حينه سليمان فرنجية. وقد أظهرا بذلك بعد نظر وحكمة ومعرفة حقيقيّة بجوهر عون منذ بدء تعاطيه السياسة والشأن العام أكثر وبكثير من الذين يُفترض أنّهم اختبروه وعانوا “مآثره” مع شعوبهم. لا يعني ذلك طبعاً عدم مسؤوليّتهما عن الحال البائسة أيضاً في لبنان.

إلى ذلك لا يبدو أن علاقة الرئيس المُكلّف سعد الحريري جيّدة مع “حزب الكتائب” رغم نزوله عن المرتبة الأولى في تمثيل المسيحيّين التي كانت له قبل حرب 1975 وفي أثنائها وحتّى انتهائها. في اختصار على الحريري أن يتعاون مع كل الذين يناصبون باسيل وعمّه الرئيس عون العداء أو الخصام السياسيّين. لكنّه لا يفعل ذلك لأسباب مجهولة وإن يمكن تقديرها. يبدو أنّه مكتفٍ بعلاقة جيّدة مع بطريرك الموارنة بشارة الراعي ولا بُدّ من المحافظة عليها. لكنّها غير كافية لا سيّما وأن البلاد ستُواجه انتخابات نيابيّة بعد أقل من سنة. ولا يمكن الاعتماد على ما يُروَّج من أنّها لن تجري سواء تمّ التمديد لمجلس النواب الحالي أو لم يتم. علماً أنّ الراعي أظهر في عظاته الأسبوعية أخيراً نوعاً من الانتقاد للحريري من دون تسميته.

ماذا عن التغيير غير القانوني المحتمل في البلاد؟ إنّه التغيير الشامل الذي قد ينجم عن حرب عسكريّة تشنّها اسرائيل على لبنان سواء ردّاً على عمليّة ما لـ”حزب الله” ومقاوميه أو رغبة في ضرب ترسانته الصاروخيّة قبل دخول المنطقة وإن ببطء مرحلة جديدة عنوانها التعاون الدولي (روسيا – أميركا – أوروبا) – الإقليمي (إيران – اسرائيل – تركيا – دول عربية مهمّة) وبدء البحث في حلول جديّة للقضايا الخطيرة في المنطقة. علماً أنّها، ورغم قدرتها على تدمير واسع لإمكانات “حزب الله” العسكريّة ولمناطق بيئته وللبنان كلّه وشعوبه وبُناه التحتيّة، قد لا تحول دون استمرار الأخير في دوره الداخلي الأوّل. علماً أنّ التغيير غير القانوني أيضاً قد ينتج عن اصطدام داخلي خطير أمني – عسكري – سياسي يسبقه انهيار تام ونهائي للدولة بعد تحوّلها فاشلة منذ سنوات.