العنوان الأبرز لقمة بايدن وبوتين في جنيف.. الدب الروسي حقق ما أراده بمنتهى الدقة

انتهت القمة بين الرئيس الروسي فلاديمير بوتين ونظيره الأمريكي جو بايدن. تلك القمة التي شغلت العالم أجمع خرجت دون مؤتمر صحفي مشترك وهي دلالة هامة على مضمونها، لكن الدب الروسي خرج منها محققاً أهدافه كاملة.

عُقدت القمة في جنيف بسويسرا، الأربعاء 16 يونيو/حزيران، وناقش خلالها بوتين وبايدن وكبار المسؤولين في موسكو وواشنطن أجندة متنوعة من الملفات، وانتهت دون التزام من أي نوع من جانب روسيا في أي من تلك الملفات.




وكشفت التغطية الإعلامية للقمة في كل من موسكو وواشنطن عما يمكن وصفه بالعنوان الأبرز وهو “بوتين حقق ما أراده من لقائه المباشر مع بايدن”، وجاء التقرير الرئيسي لشبكة CNN الأمريكية حول القمة بعنوان “حصل بوتين على ما أراده من بايدن في جنيف”.

مشاهد رئيسية في القمة الملتهبة

لكن قبل التطرق إلى حسابات كل طرف قبل القمة وبعدها، لنتوقف سريعاً أمام أبرز المشاهد التي شهدها اللقاء الأول بين الرئيس الأمريكي بايدن ونظيره الروسي، خصوصاً أن اللقاء جاء في توقيت وصلت فيه علاقة البلدين إلى الحضيض، بعد وصف أحدهما للآخر “بالقاتل” وسحب السفراء، وهي درجة من التوتر ربما لم تشهدها علاقاتهما أثناء الحرب الباردة.

ومن الطبيعي أن تكون هناك مقارنة بين قمة جنيف وآخر قمة جمعت رئيسي البلدين وهي قمة هلسنكي بين بوتين ونظيره الأمريكي وقتها دونالد ترامب وعقدت عام 2018. قمة ترامب وبوتين مثلت مهانة كبيرة للأمريكيين ولم يعرف أحد ما دار فيها على وجه التحديد، إذ التقى ترامب وبوتين بمفردهما تماماً، وشهد المؤتمر الصحفي المشترك ما وصفته وسائل الإعلام الأمريكية “بالمهزلة” حين تصدى ترامب للدفاع عن روسيا ضد مزاعم التدخل في الانتخابات الأمريكية التي فاز بها.

وفي هذا السياق، جاءت قمة جنيف مختلفة تماماً، حيث جرى اتباع البروتوكول بشكل صارم، كما يفترض أن يكون في حدث على هذا المستوى. وظهر بايدن واثقاً من نفسه ومدركاً لحقيقة كونه رئيس الولايات المتحدة الأمريكية، بحسب تقرير لصحيفة الغارديان البريطانية حول أبرز مشاهد القمة.

وكانت أبرز مشاهد القمة أيضاً هي أن بوتين لا يزال متمسكاً بنظرته “السلبية” للولايات المتحدة كدولة لا تريد الخير لبلاده، وإن جاءت تصريحاته خلال المؤتمر الصحفي الذي عقده عقب انتهاء لقائه مع بايدن دبلوماسية وهادئة، إذ قال إنه “لم تكن هناك عدوانية خلال لقائه مع بايدن”، واصفاً إياه “بالبناء والإيجابي”.

أما المشهد الثالث وهو ما يتعلق بالنتائج التي خرجت بها القمة، فيمكن القول إن ما سبقها من تصعيد غير مسبوق في علاقة البلدين نتج عنه انخفاض كبير في سقف التوقعات بشأن ما قد تسفر عنه القمة الملتهبة. وفي هذا السياق، هناك إجماع بين المحللين على أن النتائج الملموسة لقمة جنيف تعتبر “جيدة للغاية”، فقد اتفق بايدن وبوتين على عودة سفيري البلدين إلى موسكو وواشنطن ومن ثم استئناف العلاقات الدبلوماسية بشكل طبيعي.

كما اتفقا أيضاً على أن تبدأ مفاوضات بين وزارة الخارجية لدى كل منهما بشأن تجديد اتفاقية ستارت 3 الخاصة بالتسلح النووي، والتي سوف تنتهي في 2024. واتفقا أيضاً على بدء مفاوضات بشأن الهجمات الإلكترونية وكيفية التوصل لاتفاق ما بشأن ذلك الملف الخطير والشائك.

كيف حقق بوتين ما أراده تماماً؟

يرى أغلب المحللين والمراقبين لتلك القمة وما سبقها من أحداث وتصريحات، منذ فاز بايدن بالرئاسة وقبل حتى أن يتولى منصبه رسمياً في 20 يناير/كانون الثاني الماضي، أن بوتين ربما يكون قد حقق ما يريده من بايدن قبل حتى أن تحط الطائرة في جنيف.

فبخلاف الاتفاق على عودة السفراء وفتح الباب أمام “نقاش بناء” مع الولايات المتحدة بشأن قضايا مثل الأمن السيبراني والسياسة الخارجية، يمكن القول إن بوتين لم يعطِ أي مؤشر على أنه ربما يغير أجندته السياسية سواء داخلياً أو خارجياً. وهذا التقييم يتفق تماماً مع الصورة التي رسمها بوتين داخل روسيا حول العلاقة مع بايدن، والتي ترتكز بالأساس على فترة الحرب الباردة بين الاتحاد السوفييتي السابق والولايات المتحدة.

وهذا السياق بشكل عام رسم صورة عامة لما قد يكون عليه أداء بوتين خلال لقائه الأول مع بايدن (التقى الرجلان مراراً من قبل عندما كان بايدن نائباً للرئيس الأسبق باراك أوباما)، وحدث اللقاء ومجرياته تماماً كما أراد له بوتين، مما جعله يعود إلى موسكو في صورة “المنتصر” إن صحَّ التعبير.

وهذا ما عبَّر عنه أوليغ إغناتوف المحلل الأول للشؤون الروسية في مجموعة الأزمات الدولية بقوله لـ”سي إن إن” إن المشاهد البصرية لقمة جنيف جاءت كما لو أنها “فصلت خصيصاً” للاستجابة لاحتياجات بوتين على المستوى الداخلي في روسيا. فالقمة جاءت بناء على طلب أمريكي، وهذا في حد ذاته مؤشر على أن الرئيس الروسي والرئيس الأمريكي يقفان على قدم المساواة، بحسب رؤية الكرملين.

“هذا بالتحديد ما يريده الكرملين؛ أن يتحدث مع الولايات المتحدة على قدم المساواة بطريقة لا تجعل الطرف الآخر (واشنطن) يطلب تغييرات مسبقة كشرط لعقد القمة”، بحسب أوليغ.

ويضيف أوليغ أنه لا يوجد أدنى شك في أن بوتين سوف يواصل سياساته كما هي وسيزيد من تحديه لبايدن إذا ما وصلت الأمور لطريق مسدود في أحد الملفات أو إذا ما شعر بوتين بأن موسكو قد تخسر. “هذه القمة لا تمثل بداية تطبيع للعلاقات بعد، بل يمكن القول إنها أوقفت تدهور تلك العلاقات، ولو بصورة مؤقتة”.

من جانبه، أشار كير غايلز الباحث الأول في برنامج روسيا والأورو-آسيوي في كاثام هاوس إلى أن وقوف بوتين في وجه الولايات المتحدة وتحديها بتلك الصورة يمثل حجر الزاوية في نجاحاته على المستوى الداخلي.

“إجابات بوتين على الأسئلة الشكلية من الفريق الصحفي الروسي المرافق له والأسئلة المتحدية من الصحفيين الأجانب -بعد لقائه مع بايدن في جنيف- تبدو مصممة جيداً للداخل الروسي، خصوصاً تلك الشريحة من المواطنين التي تشارك بوتين نظرية كون الغرب يمثل الشريك العدواني وغير المتوقع في العلاقة مع موسكو”، بحسب غايلز.

إلقاء الكرة في ملعب بايدن

وربما يكون التوقف عند إجابات بوتين على أسئلة الصحفيين الأمريكيين والأجانب عموماً خلال مؤتمره الصحفي هو المؤشر الأبرز على ما يمكن وصفه بالإجابات “التفصيلية الهادئة والمنطقية، والتي لا علاقة لها بالسؤال”، بحسب المحللين.

وتعتبر قضية المعارض أليكسي نافالني، على سبيل المثال، نموذجاً واضحاً في هذا السياق. نافالني هو المعارض الأبرز الذي مثَّل صداعاً لبوتين، لكنه الآن يقبع خلف القضبان وتم تصنيف حركته المعارضة “منظمة متطرفة” قبل قمة جنيف بأيام قليلة، مما يعني حرمان المنتمين لها من الترشح في الانتخابات البرلمانية هذا العام. وكان كثير من المحللين قد اعتبروا اعتقال نافالني لدى عودته من رحلة علاج في ألمانيا مطلع العام الجاري رسالة مباشرة من بوتين لبايدن قبل حتى أن يتولى الأخير مهامه رسمياً في البيت الأبيض.

وكان من المتوقع أن تمثل قضية نافالني بنداً رئيسياً على أجندة القمة، وقال بايدن إنه أبلغ بوتين أن “وفاة نافالني في محبسه ستكون لها آثار مدمرة” على علاقة موسكو وواشنطن، لكن لم نعرف ماذا قال بوتين لبايدن وجهاً لوجه، وبالتالي نتوقف عند إجابة الرئيس الروسي على أسئلة الصحفيين الأمريكيين حول القضية والتي جاءت حادة ومباشرة.

بدأ بوتين إجابته حول القضية بحديث مستفيض عن مقتل المواطن الأمريكي من أصل إفريقي جورج فلويد على يد رجل شرطة أبيض الصيف الماضي وما نتج عنها من احتجاجات عارمة واضطرابات عمت الولايات المتحدة وأغلب الدول الغربية ضد العنصرية، ومن ثم “حركة حياة السود مهمة” وكيف تعاملت الدول الغربية مع تلك الاحتجاجات.

ثم انتقل بوتين للحديث مطولاً عن فضيحة اقتحام الكونغرس الأمريكي من قِبَل أنصار الرئيس السابق دونالد ترامب اعتراضاً على هزيمته في الانتخابات أمام بايدن، معتبراً أن الولايات المتحدة ليس من حقها الحديث عن الديمقراطية أو حقوق الإنسان خارج أراضيها، وأنه على واشنطن التركيز على مكافحة العنصرية بين مواطنيها.

وحول نافالني، قال بوتين: “هذا الرجل كان يعرف أنه ينتهك القانون الروسي. وتمت إدانته مرتين من قبل. لقد أراد أن ينتهك القانون بشكل واعٍ تماماً. لقد فعل ما أراد أن يفعله بالتحديد. وسؤالي لكم: أي مناقشة يجب أن نخوضها بشأن هذا الشخص؟”.

وعلى هذا المنوال جاءت إجابات بوتين حول جميع القضايا الأخرى، من الهجمات الإلكترونية للحشود العسكرية مع أوكرانيا وما بينهما، وبالتالي فإنه بالنسبة لمؤيديه داخل روسيا، جميع أفعاله تبدو مبررة وليس هذا فحسب، بل إنه نجح أيضاً في إبراز المشاكل داخل أمريكا نفسها دون أن يتراجع عن أي من سياساته أو أفعاله.

القمة أيضاً أعطت بوتين استراحة هامة يحتاجها بشدة في عام الانتخابات البرلمانية الروسية، فبايدن الآن سيكون متردداً -على الأقل في المدى القصير- في فرض مزيد من العقوبات على روسيا، في ظل توقف انهيار العلاقات وعودة السفراء وبدء مناقشات بين وزارتي الخارجية في البلدين، وهذا في حد ذاته انتصار لبوتين.

الخلاصة هنا هي أن بوتين توجَّه إلى قمة جنيف وعاد منها بعد أن حصل على ما أراده كاملاً، وبالتالي حقق الدب الروسي انتصاراً دبلوماسياً ضخماً بمجرد حضوره تلك القمة مع بايدن، بحسب المراقبين.