لبنانيون يضربون موعدا يوميا مع المعاناة.. تفاصيل الألم النفسي والجسدي

منذ مطلع العام 2021، يرافق مصطلح “الذل” خطابات سياسيين في لبنان عند الحديث عن الوضع الاقتصادي والاجتماعي في البلاد، وحتى المواطنين أصبحوا يستخدمونه لوصف آثار الأزمة الاقتصادية والاجتماعية التي نشأت بعد الانهيار المالي الأضخم في تاريخ البلاد.

أحدث تصريح حول هذا الواقع خرج عن لسان النائب جبران باسيل أمس الأربعاء، حين حذر من بوادر ثورة اجتماعية جديدة ومحقة “بسبب الذل الذي يعيشه اللبنانيون”. والمصطلح نفسه بات لا يفارق تصريحات وزراء ونواب ورؤساء ونقابات وجمعيات أهلية ومؤسسات ضامنة.




ويعيش نحو 40 بالمئة من اللبنانيين بطالة فاقمت من المعاناة الاجتماعية مع الانهيار الاقتصادي، وتخطى معدل الفقر حدود نصف المجتمع اللبناني ويتجه صعوداً فيما تضاعف مستوى الفقر الحاد 3 مرات، حيث ارتفع من 8% عام 2019 إلى 23% عام 2020، وذلك بحسب تقرير الأمم المتحدة.

وقال التقرير إن “مليون و88 ألف لبناني بحاجة لدعم مستمر لتأمين احتياجاتهم الأساسية بما فيها الغذاء، إذ ارتفعت أسعار المواد الغذائية 670% بينما ارتفع مؤشر الاستهلاك 280% منذ العام 2019 حتى اليوم، ليصبح لبنان أغلى دولة عربية والـ23 عالمياً من ناحية التكلفة والنفقات المعيشية حسب مؤشر التكلفة المعيشية لموقع نمبو (numbeo) الذي يقيس نسبياً أسعار السلع الاستهلاكية، بما في ذلك مواد البقالة والمطاعم وخدمات النقل والمرافق، مقابل القدرة الشرائية لسكان الدولة.

وفي وقت حذر البنك الدولي من أن الأزمة الاقتصادية اللبنانية تنصف من أسوأ وأشد 3 أزمات مالية عالمية منذ القرن الـ19. فإن آثار هذه الأزمة تنعكس في الداخل على نوعية الحياة اليومية للمواطنين وتشتد في وطأتها على حاجياتهم الرئيسية والأساسية وحقوقهم الطبيعية بحياة كريمة.

يلاحقهم في يومياتهم

يضرب اللبنانيون موعدهم اليومي مع المعاناة، وفق تعبيرهم، في مختلف تفاصيل حياتهم من طوابير الانتظار الطويلة للحصول على أبسط الحاجات الرئيسية كالمحروقات والسلع الغذائية والخبز اليومي، إلى رحلات البحث المضنية عن الأدوية المنقطعة، ومعاناة الأهل في تأمين حليب أطفالهم، وصولاً إلى معاناة العاطلين عن العمل، وأصحاب الأموال في المصارف وساعات الانتظار الطويلة على أبوابها، وليس انتهاء عند مشاكل البلاد التقليدية من ازدحام شديد وبنى تحتية مهترئة ومحسوبيات وفساد واهتراء في إدارات ومؤسسات الدولة.

يقول مرشد، 36 عاماً، “الحمد الله لم أضطر حتى اليوم للانتظار بطابور بنزين، حين سأصل إلى هذه المرحلة سوف أحرق سيارتي بأرضها ولن أقبل بهذا الذل”. مرشد ميكانيكي يستفيد من معارفه من أصحاب محطات المحروقات ليقوم بتعبئة حاجته من مادة البنزين يومياً.

بعكس غادة التي تضطر للاستيقاظ عند الساعة الخامسة صباحاً من أجل اللحاق بطابور البنزين، “يأخذ الأمر ساعة وأحيانا ساعتين، تكون الساعة قد لامست السابعة أتناول فطوري وقهوتي في الطابور وقد أعود إلى المنزل لبعض الوقت أو قد انطلق فوراً من الطابور إلى دوام عملي عند الساعة الثامنة، تتكرر هذه القصة كل يومين إن اكتفيت بتعبئة الكمية المسموحة من مكان واحد، وقد أريح نفسي عبر خوض الانتظار في الطابور بعد انتهاء دوامي لكي أكسب مزيد من ساعات النوم صباحاً.

تشعر غادة بـ”الذل”، تتحدث عن نظرات المارة للواقفين في الطابور، عن التعاطف المقيت مع المشهد، تعبر في حديثها مع موقع “الحرة” عن استيائها من كون المشهد بات عادياً مألوفاً ويأخذ بالتطبع أكثر فأكثر. “بت أشعر بالفرح حين ينتهي الطابور بعد نصف ساعة او ربع ساعة، ولكن لا أحدثك عن غضبي وثورتي حين أصل إلى المحطة فيغلقونها ويعلنون انتهاء المادة بعد ساعة انتظار. الأمر محبط جدا ومؤلم بشكل قد لا يصدق لمن لم يختبره، أن تحصل بهذا الأسلوب المقيت والمتعب على أبسط حاجاتك للاستمرار بحياتك اليومية لا أكثر، نتحدث عن مأكل ومشرب وطبابة ومحروقات، ليست طموحات كبيرة”.

مرشد يرفض أن “تذله” سيارته، لكن ذلك لا يعني أنه لا يشعر بالذل من جانب آخر في حياته. المذلة بالنسبة إلى مرشد في رحلات بحثه اليومي بين الصيدليات عن حليب الأطفال لابنته البالغة من العمر سنة وشهرين. “أقبل بالذل لأجل ابنتي، ولأجل حاجة عائلتي للأدوية، لا حل آخر أمامي ولا بديل”.

زينب هي الأخرى تعاني في تأمين أدوية الأعصاب لوالدتها ودواء ضغط الدم لوالدها. مختلف أنواع الأدوية تنقطع من الأسواق أو يجري تخزينها في عمليات احتكار يتكشف العشرات منها شهرياً. تضطر لجولة يومية في المناطق على الصيدليات وتتواصل مع كل معارفها وأصدقائها للبحث معها عن الأدوية المطلوبة بشكل شهري، تقول لموقع “الحرة” إن “معظم نهاري ووقتي بات يضيع في هذه الدوامة من البحث، أشعر بأنني أتعرض للابتزاز بمن أحبهم وأخشى على سلامتهم، فلا يمكنني التأخر عن واجبي تجاه والديّ، ولم يعد بإمكاني الاستمرار على هذه الحال، الأزمة تستعبدنا ولا شعور أكبر من الشعور بالذل في هذه الحالة”.

 هل هي سياسية متعمدة؟

يؤمن عدد كبير من اللبنانيين بأن هذا “الإذلال” متعمد ومطلوب. بعضهم يرى أنه عقاب على الانتفاضة التي قام بها اللبنانيون من أجل كسر عزيمتهم وإشغالهم بحاجاتهم اليومية ومعاناة تأمينها وكلفتها، فيما يرى آخرون أن هذا جزء من الضغوطات التي تمارسها قوى السلطة المتصارعة ضد بعضها البعض.

“راجع لمن تعود النقابات في ولائها،” يقول مرشد في حديثه مع موقع “الحرة”، ويضيف “كل نقابة وتجمع مصالح يخضع لجهة سياسية وتسيطر عليه طائفة أو حزب، الأدوية والصيدليات والقطاعات الطبية، المصارف وجمعيتها ومصرف لبنان، الاتحاد العمالي العام، نقابة أصحاب الأفران، نقابة موزعي المحروقات ونقابة أصحاب محطات البنزين، أصحاب المستشفيات، النقل البري، كلها قطاعات حيوية تمسك بها السلطة الحاكمة وكلها تعمد إلى إذلال المواطنين”.

بدورها تسأل غادة “ما المعنى من توقيف أصحاب المحطات لمضخاتها وتشغيل مضخة واحدة للجميع، أين المنطق من ذلك إن كان هدفهم تخفيف الازدحام، ما الذي سيتغير إن سرع الوتيرة؟ في كل مرة أسأل ولا أحصل على جواب مقنع، هناك في لبنان من يريد لمشهد الطابور المذل أن يبقى حالياً ليقبل الناس بأي حل آخر ولو على حسابها.”

آلام نفسية توازي الألم الفيزيائي

وطالما أن هذا الشعور بات عاماً إلى هذا الحد، وشاملا لمجتمع كامل بجميع أطيافه، فإنه لابد سينعكس حكماً على السلوك الفردي والجماعي في المجتمع، وهنا تكمن خطورة الشعور بالذل وفق ما يظهره علم النفس الاجتماعي.

ففي تعريفه العلمي الذل هو حطّ من الكبرياء والكرامة الإنسانية، يؤدي إلى التقليل من الشأن أو الإهانة أو الخضوع، ويشعر به الأفراد الذين يواجهون تدني في مكانتهم الاجتماعية إما بسبب خياراتهم أو عن طريق الفرض بالقوّة، وهو حال المجتمع اللبناني، وقد يحدث الاذلال بسبب الترهيب أو سوء المعاملة أو الإحراج.

وينتهج الإذلال عندما يريد شخص ما فرض سطوته وسلطته على الآخر، وذلك عبر الاضطهاد وسوء المعاملة، وهو ما يعتمد كثيراً في الحياة السياسية والعسكرية وفي السجون وخلال التحقيق والتعذيب. وقد كانت استراتيجية معتمدة في المجتمعات والأنظمة القديمة تاريخياً في سياق العقاب وتعمد إذلال الأشخاص لردع الآخرين.

وقد أظهرت دراسة لباحثين من جامعة ميشيغان أن المناطق الدماغية التي تُثار وتتنشّط عند الإحساس بالألم هي عينها التي تنشَّط عند المرور بتجربة الإذلال والعزلة، تمامًا كالألم الفيزيائي.

علم النفس درس الشعور بالذل وآثاره المدمرة على الإنسان كفرد وعلى المجتمع حين يصبح حالة عامة.

يقول الطبيب النفسي الأميركي الشهير دونالد كلاين، والذي درس الشعور بالذل وآثاره النفسية بشكل خاص، أن “الأشخاص الذين تعرّضوا للإذلال ترتفع لديهم قابلية تعرضهم للاكتئاب، وقد تتولّد لديهم أفكار انتحارية، وحالات قلق حادّة كما في اضطراب ما بعد الصدمة، ممّا يقودهم للتصرّف بشكل غير طبيعي في المجتمع، قد يشعرون بحاجّة ملحّة للانتقام، أو بفقدان الأهمية والأمل فيلجؤون إلى الانتحار، وقد يطوّرون أفكارا ورؤى جديدة ويتقرّبون من المجموعات المهمّشة، وللشعور بالذل تأثير مدمّر على سلوك الأفراد، والجماعات، والمنظمّات، والأمم.

هذه النتيجة يوافق عليها كل من رئيس قسم الطب النفسي في “مستشفى جبل لبنان” الدكتور شوقي عازوري، والطبيب النفسي المتخصص في علم النفس العيادي الدكتور نبيل خوري، في حديثهما مع موقع “الحرة”.

إذ يرى خوري أن الذل يضاعف من احتمالات الإصابة بالاكتئاب الفردي والجماعي وما ينتج عنه، فالإهانة والتحقير وانتهاك كرامة الإنسان تصل به إلى الإحباط الذي منه يصل إلى الاكتئاب، قد يعترض الضحايا على واقعهم المذل وقد يفكرون بالانتقام أو الانتحار خاصة أولئك الذين يشعرون بالعجز امام احتياجاتهم وعائلاتهم وأبنائهم، وبدأنا نرى هذه الفئات في الحوادث المسجلة لمواطنين ينتحرون أو يضرمون النار بأنفسهم”.

مثال على نتيجة الإذلال

من جهته، يؤكد عازوري أن فقدان الأمل والانتحار هو نتيجة متوقعة للشعور بالذل، ويستشهد بواقعة حرق البوعزيزي لنفسه في تونس 2011، والتي أدت إلى اندلاع ثورة الكرامة في تونس ومن بعدها الربيع العربي، “كان المحرك للبوعزيزي هو شعوره بالذل. وبالتالي كرامة الإنسان في أحيان كثيرة توازي قيمة حياته وأهم من كل حاجاته من أكل وشرب وطبابة وغيرها، الإنسان يفضل أن لا يذل حتى لو لم يأكل في المقابل.”

ويضيف عازوري “الذل الجماعي في لبنان سيترك آثاراً عميقة في المجتمع اللبناني، فهو يحرك لدى الناس أفكار ومشاعر صعب ضبطها كالحسد والكره والعنف. لكنه قد يحمل نتائج إيجابية، كأن يحفز الناس على رفض الواقع وتغييره كما حصل مسبقاً في العام 2019 و2020، وحتى لو انكفأ الناس عن التعبير في هذه المرحلة لا يعني أنهم تقبلوا الأمر أو تبددت ارادتهم بالتغيير، فالذل لا ينسى ويبقى طويلاً في النفوس. ولكن للأسف الانقسام الاجتماعي الطائفي والسياسي في لبنان، يلعب دوراً سلبياً كبيراً في ترجمة إرادة الناس بشكل موحد.”

في المقابل يظهر بحث صادر عن مركز الدراسات التربوية والأبحاث النفسية في جامعة بغداد، روابط مباشرة ما بين شعور الأفراد بالذل وجنوحهم نحو التطرف، وذلك عبر تبني نظرية تقييم العاطفة لتفسير الشعور بالذل والنظريات الوظيفية لتفسير الاتجاه نحو التطرف، حيث تبين وجود علاقة ارتباطية موجبة بين الشعور بالذل والاتجاه نحو التطرف.

قد يولّد الشعور بالإذلال حالة من العنف والغضب الشديد، الذي قد ينعكس داخليًا على شكل عدم مبالاة أو اكتئاب، أو خارجيًّا على شكل ذعر وأفكار عظمة أو سادية أو خيالات بالانتقام، يشرح دونالد كلاين ذلك بقوله “عندما ينعكس الإذلال خارجيًّا يسبّب ضحايا بريئة جديدة، وعندما ينعكس داخليًّا فإن كره الذات يجعل الشخص غير قادر على تلبية حاجاته وليس لديه الطاقة لمبادلة الآخرين مشاعر الحب والاعتناء”. وهو ما يشهده لبنان مع ظاهرة تنامي النزعة نحو الفردية الأنانية في مواجهة تداعيات الأزمة الاقتصادية وتراجع التعاضد الاجتماعي لاسيما في المدن، في ظل جنوح واضح لدى الجماعات نحو الانعزال والانفصال عن الآخرين.

الذل الجماعي.. لا يوحد اللبنانيين

بدوره يرى  خوري أن الشعور الجماعي بالذل لا يؤدي بالضرورة إلى الوحدة في المجتمعات المنقسمة، ولا يمكن أن نغفل أن الشعب اللبناني مبرمج على الانقسام السياسي والحزبي والطائفي والمناطقي، وبالتالي ابن النبطية وابن جونية لن يقفا سوياً في مواجهة الطبقة الحاكمة التي تذلهم فالحواجز والانقسامات أكبر، وولاء اللبناني لانتماءاته تتغلب على ولائه لنفسه ومصلحته وهذا يظهر في تكرار اللبنانيين لخياراتهم الانتخابية حيث يأتون دائما بالطبقة الحاكمة نفسها التي أذلتهم.”

“وهنا يعتاد الإنسان على الإذلال ويرى فيها تضحية وطنية أو طائفية أو حزبية”، بحسب خوري الذي ينبه إلى أن “الاعتياد على الذل أخطر من الذل نفسه، لأنه يحافظ على الواقع بقوة الاستمرار، وبالتالي لا تعود حركة الإنسان في مجتمعه ناتجة عن اقتناع بل عن قناعة أن الأحوال لن تتغير أو سوف تتحسن بمرور الزمن، لذلك فإن الذل يعتبر محطة طبيعية يمر بها كل المجتمع اللبناني اليوم لأنه سبق ان اختبرها في ذاكرته التاريخية إن كان خلال فترات الحرب الاحتلال والإقطاع والزعاماتية، واعتاد على طأطأة رأسه ضمن مفهوم الإذعان والتبعية والولاء للإرادة الكبرى الأقوى التي علينا التكيف معها، وبالتالي الذل بات جزء من المنظومة والمفهوم الشعبوي اللبناني بأقنعة متعددة، إلى أن سقطت كل الأقنعة اليوم.”

يقول رجل الدولة والسياسي الألماني الشهير، أوتو فون بسمارك، إن “الأنانية تولد الحسد، والحسد يولد البغضاء، والبغضاء تولد الاختلاف، والاختلاف يولد الفرقة، والفرقة تولد الضعف، والضعف يولد الذل، والذل يولد زوال الدولة وزوال النعمة وهلاك الأمة”. وعلى ما يبدو أن لبنان دخل في المرحلة الأخيرة من القول المقتبس.


الحرة