مظاهرات “السلطة” تثير موجة غضب وسخرية في لبنان

شهدت مداخل العاصمة اللبنانية بيروت، ومعها مدن ومناطق لبنانية عدة، الخميس، عمليات قطع طرقات وتجمعات احتجاجية وإقفالا عاما لمحال ومؤسسات عامة وخاصة، تلبية للإضراب العام الأوسع الذي أعلنه الاتحاد العمالي العام، داعيا جميع النقابات والقطاعات والمواطنين إلى الالتحاق به، اعتراضاً على الأحوال المعيشية المتردية التي وصلت إليها البلاد، وللمطالبة بتشكيل حكومة إنقاذ تبدأ عملية إعادة النهوض بالبلاد التي تعيش أكبر انهيار اقتصادي في تاريخها.

وقطع المحتجون طرقات كورنيش المزرعة، الكولا، المدينة الرياضية في العاصمة بيروت، فيما عمدت القوى الأمنية إلى قطع طرقات رئيسية أخرى في المدينة محولة السير إلى طرق فرعية، وأقفل مدخلا العاصمة الشمالي عند نقطة الدورة، والجنوبي عند مثلث خلدة، لتعود القوى الأمنية وتفتحها بعد وقت قصير. كذلك أقفلت شوارع وطرق رئيسية في طرابلس وبعلبك وعكار وشتورة، أعيد فتحها هي الأخرى من قبل الجيش اللبناني وقوى الأمن.




وكان رئيس الاتحاد العمالي العام، بشارة الأسمر، قد دعا “الهيئات الاقتصادية وجمعيات التجار وجمعية المصارف بتأييد الإضراب الذي دعا إليه الاتحاد، الخميس، وإفساح المجال أمام الموظفين والعمال للمشاركة في هذا اليوم الوطني، للتعبير عن رفض حال الانهيار على مجمل المستويات، والمطالبة بتأليف حكومة اختصاصيين”.

دعوة الأسمر لجمعية المصارف اللبنانية للمشاركة كانت لافتة، لاسيما أن اللبنانيين يحمّلون المصارف مسؤولية رئيسية عن الحال التي وصلت إليه البلاد، إضافة إلى مسؤوليتها عن احتجاز أموال المودعين اللبنانيين وممارسة اقتطاع عليها من دون سند قانوني. وبالفعل لم تتأخر جمعية المصارف عن تلبية الدعوة، معلنة أنها ستقفل أبوابها في إطار الإضراب العام، وأصدرت بيانا جاء فيه: “بقرار من مجلس إدارة الجمعية، تُقفل فروع المصارف أبوابها يوم الخميس في إطار الإضراب العام. وتبقى إدارات المصارف العامة تعمل بحسب مقتضيات العمل ووفق قرار كل مصرف”.

السلطة تنتفض

الأمر سبب استفزازاً للمواطنين، لكن الصدمة جاءت من ناحية الأحزاب السياسية المكونة للسلطة في البلاد، والمتهمة الأولى بقضايا الفساد وإهدار المال العام وإيصال البلاد إلى ما وصلت إليه، وتتحمل بمحاصصاتها ومناكفاتها مسؤولية تعطيل قيام حكومة إصلاحية في البلاد منذ أغسطس 2020.

ودعا تيار المستقبل، الذي يتزعمه رئيس الوزراء المكلف بتشكيل الحكومة الجديدة سعد الحريري، اللبنانيين عامة، وجمهوره خاصة، إلى تلبية دعوة الاتحاد العمالي العام للإضراب والاعتصام، كذلك فعلت حركة أمل التي يرأسها رئيس مجلس النواب، نبيه بري، الذي يخوض وساطة لتشكيل الحكومة انتهت بخلاف وتراشق بيانات بينه وبين رئاسة الجمهورية، إضافة إلى الحزب التقدمي الاشتراكي الذي يتزعمه وليد جنبلاط، الحليف التقليدي لكل من الحريري وبري.

فما كان من التيار الوطني الحر، التيار السياسي لرئيس الجمهورية اللبنانية ميشال عون، إلا أن أعلن هو الآخر انضمامه إلى إضراب الاتحاد العمالي العام، داعياً إلى “رفع الصوت إلى جانب الاتحاد بشأن مطالبه المحقة، وخصوصا لناحية تردي الأوضاع المعيشية ووجوب معالجتها، وتحديدا ما يتعلق بالمواد الأساسية كالبنزين والمازوت والدواء والاستشفاء، ولناحية وجوب الإسراع بتأليف الحكومة”.

هكذا اجتمع أركان الأزمة اللبنانية تحت سقف إضراب الاتحاد العمالي الذي أفرغ من مضمونه المطلبي، ليتحول إلى ساحة أخرى من ساحات النزال السياسي. الأمر الذي شكل مشهداً سوريالياً بالنسبة للبنانيين عبروا عنه بسخرية عامة على مواقع التواصل الاجتماعي، مطلقين هاشتاغ “#السلطة¬_تنتفض”، إذ قاموا بإسقاط الأحداث التي عاشها اللبنانيون خلال ثورة أكتوبر 2019 وما بعدها، على رموز السلطة والمشاركين في الإضراب.

وانتشرت صور مركبة لزعماء لبنانيين يشاركون في احتجاجات بيروت ويقطعون الطرقات، يُعتقلون ويرفعون شعارات ويطلبون “الدعم عالرينغ”، وهو المصطلح الذي اشتهر بين المحتجين لدعوة بعضهم للنزول إلى الشارع، وأسقط على الأحزاب الاتهامات التي كانت تطال المحتجين خلال التحركات الشعبية، كتقاضي الرواتب من السفارات، ومحاولة جر البلاد إلى حرب أهلية.

الشعب يرد: سنستقيل

يعلق الناشط في مجموعة “عامية 17 تشرين” شادي حنوش، على مشهد اليوم بالسخرية نفسها التي عمت مواقع التواصل الاجتماعي، يقول لموقع “الحرة” “نحن مع كل تحرك شعبي سلمي ديمقراطي يعبر عن مطالب الناس، ولكن نتمنى على السلطة اللبنانية عدم قطع الطرقات والتعدي على الأملاك العامة وتعطيل البلاد ونتفهم مطالبهم، وندعوهم لتوحيد صفوفهم والاتفاق على قيادة موحدة تتحدث باسم السلطة وتبلغ الشعب مطالبهم ونحن مستعدون حتى للاستقالة إن فشلنا بمهمتنا كشعب”.

“المشهد سوريالي إلى هذا الحد”، يضيف حنوش، “يحاولون بهذا السلوك قطع الأمل بأي تحركات مقبلة في الشارع، وما جرى اليوم هو بروفا لما سيجري إذا ما عادت الاحتجاجات حيث سيركبون موجتها، وسينضمون إليها لإفراغها من مضامينها. إضافة إلى تعويم المنظومة الحاكمة وزعمائها الذين باتوا بصراعهم الحكومي اليوم، يجبرون الناس بحل واحد وشخص واحد ومنظومة واحدة لإنقاذ البلاد، وهذا المنطق لن يستقيم”.

من جهته، يرد الناشط في “ثورة 17 أكتوبر”، فاروق يعقوب، بتعليق ساخر آخر، ومن معجم السلطة أيضاً، فيقول في اتصال مع موقع “الحرة” “أنا لن أستقيل ولن أخذل ثقة الناس التي اختارتني”.

ويضيف معتبراً أن “المشهد المضحك اليوم يدل على حجم مأزق السلطة وعجزها عن الإتيان بأي حل تقدمه للشعب في ظل الأزمة الاقتصادية الخانقة. وبالتالي هذا هو بحد ذاته مشهد أزمة وصراع بين أطراف السلطة على تحميل بعضهم البعض مسؤولية الأزمة الكبرى أمام الناس، الموقف اليوم كان وكأن الخارج عن إضراب اليوم سيكون بموقع المتهم أمام الشعب”.

يعقوب يرى أن “أي خطوة ستقدم عليها السلطة اليوم بأي اتجاه مختلف عن اتجاه الحل الجذري ستكون خطأً يسجل عليها، وذلك لأن حل الأزمة لا يتم بشكل جزئي ولا بعلاج موضعي، ومن أوصل البلد إلى الأزمة لا يحمل الحل والخطوة المفيدة الوحيدة هو رحيل السلطة”.

من جهته يتهم حنوش الاتحاد العمالي العام بأنه “جزء من السلطة ومن الباطل أن يعتبر نفسه اليوم ممثلاً لصوت الناس، والدليل هو حجم المشاركة الشعبية الخجولة بالإضراب، بينما الاتحاد يمثل أحد أذرع السلطة الحاكمة، وإلا أين كان منذ 17 أكتوبر 2017، لماذا لم يتجرأ على الانضمام حينها للشعب المنتفض؟ لأنه تابع لهذه السلطة ومرتهن بقراراتها”.

تبرؤ من السلطة.. وشكر للأحزاب!

وكان رئيس الاتحاد العمالي، بشارة الأسمر، قد رد على هذه الاتهامات، عبر تصريحات صحفية قال فيها “إنّ الاتحاد العمالي العام هو من الناس وليس من السلطة وهذه السلطة تُسقط بالوسائل الديمقراطية لذلك فلنذهب إلى الانتخابات النيابية ونأسف أنّه مع مجتمع كهذا سنعيد إنتاج السلطة نفسها”. وأضاف: “إذا قال فريق سياسي إنّه يؤيّد تحرّك الاتحاد العمالي العام ماذا عسانا نقول له؟”.

الأسمر نفسه عاد وفي مؤتمر له من أمام مقرّ الاتحاد – كورنيش النهر، وشكر “كلّ حزب أعلن دعمه للاتحاد العمالي العام ودعم الاتحاد بناسه وعماله ومناصريه من مختلف الأفرقاء الذين يجتمعون حول الهمّ المعيشي”. ودعا “الساسة إلى أن يتوقفوا عن التراشق والاتهامات والمحاصصة، ويبادروا إلى تأليف حكومة إنقاذ”. وقال: “ما يحصل يخرج عن نطاق العقل لذلك توقفوا عن سياسة القتل بحق الشعب اللبناني وبادروا فورا إلى تنازلات”. أضاف: “ما نراه اليوم من انهيار للمنظومات التربوية، الصحية، البيئية والاقتصادية والحد الأدنى بات يساوي 30 دولارا، علينا التصدي لهذا الوضع بالتكافل من أجل الحفاظ على عمال لبنان وكل فئات الشعب اللبناني وهذا لا يتحقق الا بوجود حكومة انقاذ”.

لا يرى يعقوب أن إضراب اليوم يمثله، ويراه فشل في اكتساب تأييد شعبي بسبب انشغال الناس بقوت يومها. كذلك يعتبر أن خطاب الاتحاد العمالي العام اليوم لا يعبر عم طموحات اللبنانيين، لافتاً إلى أن “هذه السلطة حين بدأت بإحكام سيطرتها على البلد، أول هدف ضربته وشلت عمله هو النقابات العمالية وحولتها إلى أدوات تعمل لصالح أجندتها، وهذا أمر يعرفه كل اللبنانيين. هذه النقابات ومعها الاتحاد العمالي العام لا تزال اليوم في هذا الموقع، والتغيير المنشود في البلد يستهدف هذه النقابات المرتهنة أيضاً، فهي لا تعبر عن الناس ولا تعمل وفق مفهوم العمل النقابي، وإنما مرتزقة لدى السياسيين”.

يختم حنوش مشيراً إلى أن “الشعب ما عاد يؤمن لا بسلطة وأحزاب ولا بثورة ومعارضات، الشعب اليوم يدرك أن أحدا لا يعبر عن رأيه من جميع الأطراف، ويبحث فقط عن مقومات صموده وبقائه على قيد الحياة”.