بري لن يستسلم والحريري لن يعتذر.. ماذا عن الرئيس؟

سابين عويس – النهار

لم تكد تنقض ٢٤ ساعة على بيان رئاسة الجمهورية ضد تدخل رئيس المجلس نبيه بري في ملف تأليف الحكومة، حتى جاء الرد بقسوة وعنف متجاوزا السقف الذي رفعه رئيس الجمهورية في وجه رأس السلطة التشريعية والركن الأساسي في التحالف الذي ينضوي تحت رايته العهد وتياره السياسي.




ما بين بيان بعبدا ورد عين التينة، انتقل مشهد تأليف الحكومة الى مستوى اعلى من التعقيد والتصعيد. كشف عمق الازمة وعقم مساعي حلحلتها، بحيث لم تعد تقتصر على تمثيل مسيحي وثلث معطل بقدر ما اتسعت لتعكس نزاعاً غير مسبوق على السلطة والنفوذ، عبر عملية شطب او تحجيم لزعامات سياسية تمهيداً لإخراجها من المعادلة السياسية في البلد.

لم يدخل رئيس المجلس على خط التأليف بمبادرته من فراغ، او من دون تنسيق مع الركن الآخر من الثنائية الشيعية، او حتى مع دول القرار التي رحبت بالكوة التي فتحها بري في مشهد التأليف المأزوم، ولا سيما بعد سقوط المبادرة الفرنسية، وتوقف كل محركات التأليف عند عقدة التمثيل المسيحي. في المقابل، لاقت المبادرة ترحيباً من بعبدا عندما رفعت عدد التشكيلة الحكومية الى ٢٤ وزيراً. قالها بيان عين التينة بصراحة، لكنها عادت لتتعرض للاستهداف، ليس على خلفية شروطها او معاييرها، بل على خلفية صلاحية رئيس المجلس بالتدخل في مسألة حصرها الدستور برئيسي الجمهورية والحكومة المكلف، وقد غفل بيان الرئاسة ان صلاحية #الرئيس المكلف مستمدة من تكليف النواب له، وهذا ايضاً قاله رد عين التينة بالوضوح والصراحة عينهما.

اما لماذا وجهت بعبدا سهامها الى عين التينة وهي التي لجأت اليها برسالتها الى المجلس لبحث التكليف قبل أسابيع، فالجواب عند مراقبين ان رئيس الجمهورية لم يستسغ كثيراً الحلف الوثيق القائم بين رئيس المجلس والرئيس المكلف خصوصاً بعدما ربط الاخير قراره بالاعتذار بسحب بري يده واستسلامه. والمعلوم ان احد الخيارات التي يعمل لها العهد ترمي الى دفع الحريري الى الاعتذار، وجاءت مبادرة بري من جهة وغطاء دار الافتاء للحريري ودعوته الى التريث من جهة اخرى الى تمديد التكليف وإعطائه دفعاً جديداً. علماً ان في الاوساط البرتقالية من يخشى ان يحشر الحريري عون بتشكيلة جديدة من شأنها ان تحرجه امام قواعده اذا تضمنت أسماء مسيحية من التيار لكنها ليست من حلقة رئيسه المُرضى عنها.

يأتي اشتداد التأزم على مستوى الرئاسات متزامناً مع تحريك الشارع، ما يثير القلق من نقل الاحتقان السياسي الى الشارع الذي سيشهد اليوم اول تحرك تشارك فيه احزاب وتيارات مثل تيار “المستقبل” الذي دعا مناصريه الى المشاركة، فيما لا تبدو حركة “امل” بمناصريها بعيدة ايضاً عن الدعوة وعن الحراك. فيما على المقلب العوني يتحرك الحرس القديم ايضاً تحت عناوين شعبية ومطلبية.

حرب البيانات المتبادلة تدفع المراقبين الى التأكيد بأن رئيس الجمهورية الذي استهلها بفتح النار من الخلفية الدستورية على رئيس المجلس، بعدما كان فتحها على الخلفية ذاتها على الرئيس المكلف، يرمي بخطواته هذه الى دفع الحريري نحو الاعتذار، في شكل تكون المبادرة من قبله، مستفيداً من موقف سعودي غير مؤاتٍ وتراجع دينامية القاهرة وباريس.

لكن ما يغفله العهد، ودائماً بحسب المراقبين، ان هذه الرغبة باقصاء الحريري تعزز مكانته في طائفته أولاً، وتحول دون تقدم اي مرشح سني على خوض مغامرة التأليف باستثناء من يدور في حلقة العهد، ويرتضي الخروج عن غطاء طائفته. كما تعزز حلفه مع الرئيس بري الذي يخوض هذه المعركة معه في خندق واحد، لا يستبعد ان ينضم إليهما الزعيم الدرزي وليد جنبلاط الذي زار عين التينة أمس، ولم يكن بعيداً في توجهاته عن توجهات بري، وان كان يبدي بعض التحفظات على مسائل اقتصادية اجتماعية تتعلق بالاحتكارات الحاصلة في الاسواق والتي تؤدي الى تفاقم الازمة الاقتصادية.

في الخلاصة، ومع استمرار حرب البيانات مساء بعد رد بعبدا على بيان عين التينة ورد جديد للأخيرة، ثابتتان تؤكدهما اوساط رئيس المجلس هما ان الحريري لن يعتذر، ومبادرة بري مستمرة، وهذا ما أكده البيان الاخير الذي وان أنعش ذاكرة الرئاسة بمواقف الرئيس الجنرال، أبقى على نافذة مفتوحة بالدعوة الى الذهاب الى حل، لأن ما عدا ذلك سيعني حتماً تثبيت الانهيار والدخول في المحظور الامني!