سمير عطا الله

التاكسي في انتظارك خارجاً – سمير عطالله – النهار

فيما كنا غارقين في تفاهات وصغارات وحقارات الزمان، وفي نقيع السُّم الطائفي وحجرياته وسوقياته وتخلّفه، سمعنا من وراء الضباب البغيض والمقيت، اشياء الجمال. كأن عرفناه، مثلاً، أن سامي امين الجميّل، متزوج من مسلمة. ونديم بشير الجميل متزوج من مسلمة. وطوني سليمان فرنجية متزوج من مسلمة. وسمعنا، ومن له أذنان سامعتان فليَسمع، طوني سليمان فرنجية يقول عن نديم الجميّل وعن سامي الجميّل، صديقيّ.

لم أرَ “#حقوق المسيحيين” مرة في مثل هذا الجمال والصدق والاكتمال. أمام مثل هذا النور الساطع، كم تبدو كهرباء سلعاتا ظلاماً قاتماً وأفقاً فاحماً وترّهات.
ذات يوم بلغ بأحد سياسيي “حقوق المسيحيين” أنه سَجَد على المسرح امام من تبرّع له بالكرسي. في تلك الأيام كان جورج خضر، المستضيء بالمسيح والمحبة والرفعة، لا يزال يذر الجواهر الخلقية على هذه الصفحة. فلما شاهد ما يحدث للمسيحية على ايدي تجار الهيكل، كتب غاضباً: لا عبودية في المسيحية، ولا سجود لغير الله. الباقي كذبة وعشّارون.




المسيحية دين، لا طائفة ولا رقّ ولا حزب. وحقوقها ان تكون الحقوق حقاً لجميع الناس. أما الاكثريات المدفوعة الثمن، واللوائح المتبدلة، والزعامات المختلفة، فلا تزيد اعمارها على قابليتها للحياة. ولا حياة بلا روح. والمسيحية انتماء ثقافي الى المحبة والحياة، وليست حلبة تدميرية فاحشة، حول مَن يسمي وزيرين في حكومة أخرى من حكومات التردي والخواء المطلق والصراع الصغير.

فيما كانوا يحرقون لبنان مرة اخرى باسم “حقوق المسيحيين”، مرّت ذكرى غياب ذوي الحضور المسيحي الكبير: غسان تويني، وفؤاد بطرس، ومار نصرالله صفير، والأب القرطباوي. مرت ذكرى عمالقة الفكر والعلم والسياسة والأدب. مرت ايام كان يمثل المسيحيين وقضايا العروبة وقضايا لبنان، نصري المعلوف وفارس الخوري وقسطنطين زريق وميشال حايك. والأخير كان استاذ الفلسفة في السوربون، وصاحب التحفة التاريخية “المسيح في الاسلام” والكاهن الذي كان من رفاق كمال جنبلاط. بَشعاً ينقلب الزمان.

ونحن الآن في زمن ناجي حايك، ملك التغريد الفريد، الذي ساءه ان تتزوج جيسيكا عازار من شاب مسلم. وامسيحياه. حتى الجمال المسيحي يذهب الى المسلمين. واسلعتاه. ولكل زمن دولة ورجال. ذلك كان زمن ميشال حايك. هذا زمان المسيحية ممثلة بالدكتور ناجي وعصر النهضة وجمعية الحَبَل بلا دنس.

طلبنا الاسبوع الماضي الى المنزل طبيبة لا نعرفها من قبل. وعندما طرحت الأسئلة المعتادة، ومنها الاسم والشهرة وتاريخ الميلاد، خُيّل اليّ أنها سوف “تتشرف بمعرفتي”، لكن بدا أنها لا تفرّق بين كتّاب “النهار” وبين علي الزيبق. ولاحَظَت ان الكتب كثيرة جداً، فسألتني وهي تقيس الضغط الواطي (بكل معاني الكلمة) ماذا اشتغل؟ وقبل أن اجيب أو اشرح أو اشلح، قالت وكأنها تكمل حديثاً سابقاً مع جبل صنين أو ظهر القضيب: “ما قرفتوا بعد من الكتابة عن السياسة بهالبلد”.
انتفضت غاضباً لكرامتي وكرامة شعب لبنان العظيم، صائحاً في وجهها: “انتم اللبنانيين عيونكم ضيقة مثل عيون الصينيين واهل جنوب شرق آسيا. أمَا بَلَغَكِ يا اختاه ان سعادة الحاكم خصص لكم 400 دولار شهرياً على 400 سنة؟ الرجل المناسب، يا اختاه، في الموقع المناسب منذ ثلث قرن ونيِّف، هو يثري والبلد يُعطى 400 دولار في الشهر. والمؤامرة الكونية على سعادته تزداد حدّة مثل المؤامرة الكونية على حامي مسيحيي الشرق، مأساته، مسيح الشرق، ان صالبيه هم ادعياؤه.

يردد غاسلو الأيدي ان الأزمة عمرها ثلاثون عاماً. وقد يكون في ذلك شيء من الصحة. لكن لماذا انتظرت الليرة 30 عاماً كي تنهار، والعتم 30 عاماً كي يعمم، والزبالة 30 عاماً كي تعوم، والخبز 30 عاماً كي يصبح وزيره راوول نعمة، والبنزين 30 عاماً كي يذلّ الناس طابوراً خلف طابور، والفقر 30 عاماً كي يجلد الناس، والقضاء 30 عاماً كي ينقل العدالة الى البيوت، واميركا وبريطانيا 30 عاماً كي تتعلما ادارة الاقتصاد من دون موازنة، والصحة 30 عاماً كي تفرغ الصيدليات وتشلّ المستشفيات، وحسان دياب 30 شهراً كي ينادي على الأشقاء والأصدقاء لإنقاذ لبنان من كوفيديه؟ أين يا دولة الرئيس ترى اشقاء واصدقاء؟ من بقي لنا منهم؟ لقد استكثرت ديبلوماسيتك الخارجية بياناً على السعودية يندد باحراق سفارتها في طهران، أو يستنكر قصف مصافيها في الدمام، فيما اقامت الدنيا ولن تقعدها لأن كبرى دول العالم قررت معاقبة قائد الديبلوماسية المفدّى لأنه بالَغ وتمادى في استهبال اميركا وجعل وزيرها ينتظر 10 دقائق، وترك الامين العام للجامعة العربية ينتظر واقفاً 25 دقيقة على باب مكتبه، من دون ان يسمح اي موظف لنفسه بدعوته الى الجلوس. لا اصدقاء ولا اشقاء يا دكتور. راحوا. كرمال عيون الصهر… راحوا. و”حلّو عن هوني شغلة بالتيار”. هكذا تُحفظ الصداقات واللياقات والمودات والمستويات.

يرفض وليد جنبلاط ان تكون وزارة الخارجية حصة حزبه في الحكومة المقبلة. يعتبر الحقيقة إهانة لمن يحملها بعد الذي حدث لها.

ما هي المسيحية؟ هي، أولاً، الحرية وقيمها، لا عبوديات فيها ولا سلاطين ولا تزعّم ولا تزلّم ولا ولاء للتفاهة او الشر. هي أدب الخطاب وطيب النيات. ليس سهلاً ان تكون مسيحياً على غرار الصدّيقين وذوي النفوس العلية التي لا تعرف من الدنيا سوى البيع والشراء وصفقات الخداع. بأي ثمن وفي اي زمن وفي كل وقت. المسيحية هي الطريق الأقصر الى الحياة المدنية: الدستور والميثاق والقانون والرضى وسعة الصدر وسعة الروح وسعة الثقافة. العناد ليس مسيحياً. لا وجود لهذا الموقف الوثني في اي محطة من محطات الآداب المدنية. تفترض المسيحية بك أن تضحّي من اجل الغير، لا ان تمضي الحياة مُضحّيا بغيرك، عابثاً بمصائر الناس، عاجزاً عن تأدية واجبك الوطني في معرفة اصول الحكم واخلاق السلطة.

ثمة مثالان في تاريخ هذه البشرية الحمقاء. كلاهما من النمسا: استمر حكم الهابسبرغ 700 عام، وكان آخرهم الامبراطور كارل، الذي اخلى القصر عندما قال له مساعده: سيدي، التاكسي ينتظرك خارجاً. الثاني كان ادولف هتلر. حكم نحو 20 عاماً. اشعل حرباً عالمية. احرق اوروبا. دمّر روسيا. افقر العالم. انتحر في قبو مصفّح. شبَّه نفسه بالمسيح، مبيناً عناصر التفوق.