اهتمام أميركا بلبنان يقتصر حاليّاً على جيشه

سركيس نعوم – النهار

عاش ال#لبنانيّون أوضاعاً بالغة الخطورة على أنفسهم وحياتهم وبلادهم وحريّاتهم وديموقراطيّتهم ودولتهم ونظامها وميثاقهم الوطني خصوصاً بين عامي 1975 – 1990. إذ عصفت بهم حروبهم الطائفيّة المُغذّاة من الفلسطينيّين وسوريا الأسد الأب وإسرائيل كما من دول كبرى ذات مصالح استراتيجيّة ومطامع في الشرق الأوسط. لكنّهم خرجوا منها ليس بإرادتهم وتوافقهم وليس باستخلاصهم درساً يُفيد أنّ لا حلفاء لهم سواء من بين إخوانهم العرب أو من المنطقة أو من العالم، وإنّه لا يحكُّ جلدهم إلّا ظفرهم، بل بإرادة قوى إقليميّة مؤثّرة عربيّة أبرزها اثنتان المملكة العربيّة السعوديّة وسوريا ودولة كبرى بل عظمى هي الولايات المتّحدة. لهذا السبب أساؤوا في حسن الظنّ باللذين كُلِّفوا مساعدتهم لإنهاء حروبهم الأهليّة وغير الأهليّة عام 1990 وفي إعادة بناء دولتهم. أوصلهم ذلك بعد أكثر من نيّف وثلاثة عقود إلى انحلال كامل للدولة والصيغة والنظام، وإلى تقاسم الطوائف والمذاهب والدول التي تدعمها والمؤسَّسات الدستوريّة والإدارات المدنيّة والقضائيّة والأمنيّة، كما إلى انهيار اقتصادهم ومصارفهم وعملتهم الوطنيّة، واقترابهم دولة وشعوباً ومصرفاً مركزيّاً من إفلاس تام ومن جوع تسبّبت به احتكاراتٌ يُسيطر عليها قسمٌ كبيرٌ من التجّار والمستوردين ورجال المال والأعمال بتغطية تامّة من زعمائهم السياسيّين والطائفيّين والمذهبيّين ومن الأجهزة والإدارات التي يُفترض أن تراقبهم وتحاسبهم.




رغم هذا الانحدار الثاني نحو الهاوية فإنّ اللبنانيّين لم يتعلّموا شيئاً لا بل تشرذموا أكثر واستمرَّ كلٌّ من شعوبهم بوضع مصيره في يد دولة أجنبيّة وإن شقيقة بالقوميّة أو بالدين أو بالمذهب أو بالطائفة الأمر الذي يجعل مصيرهم كلُّهم ووطنهم والدولة مجهولاً عندما يتفاهم كبار المنطقة والعالم. علماً أنّ لا شيء يُشير إلى أنّ المستقبل سيكون أفضل من كلِّ ماضٍ عاشوه منذ قيام لبنان الكبير عام 1920 ثمّ استقلاله دولة عام 1943.

هل من فكرة عن مستقبلٍ للبنان يراه الأميركيّون أو يعملون له مع الدولة الكبرى في المنطقة والعالم؟ عن هذا السؤال أجاب مُتابعٌ مُزمن وجدّي جدّاً لأوضاع بلاده وسياساتها داخلاً وخارجاً قال: “أعتقد أنّ الدول التي تدعم لبنان عادة ولا سيّما أميركا وفرنسا قد تكون بدأت التخلّي عنه، لكنّها قرّرت أن تُبقي الأوضاع فيه مستقرّة إلى حدٍّ ما وإن من دون نجاح يُذكر حتّى الآن، وذلك إلى أن يحين أوان انتهاء ولاية الرئيس “البرتقالي” للجمهوريّة العماد ميشال عون وخروجه من قصر بعبدا. عندها، وإذا حصل خرقٌ مهمٌّ ما في العلاقات الأميركيّة – الإيرانيّة، فإنّها تتدخَّل للتأكّد من أنّ الرئيس الجديد للبلاد يستطيع القيام بإصلاحات ويفرض تنفيذها. ذلك أنّها كلّها تعلن بإصرار أنّ الإصلاح الشامل هو العمل الذي لا بُدّ من إنجازه لكي يستطيع كلُّ مُحبٍّ له وكلُّ من له مصالح فيه من مساعدته.

الاستثناء الوحيد في رأي الأميركيّين”، استناداً إلى المتابع الأميركي: “هو #الجيش اللبناني. إذ هناك اتفاق على عدم توفير أيٍّ جهد من أجل المحافظة على هذه المؤسَّسة وإبقائها حيّة وقادرة على الصمود والاستمرار وتالياً العمل. لذلك سيُقدّمون لها مساعدات ماليّة وسيُتابعون إرسال أسلحة ومُعدّات عسكريّة إليها وتوفير التدريب الجدّي والممتاز لضبّاطها ورتبائها والجنود. هذه الدول كلّها وفي مقدّمها أميركا وفرنسا تعرف أنّ خسارة الجيش اللبناني حياته وحيويّته وقدرته على العمل ستعني عمليّاً نهاية لبنان الذي نعرفه. حتّى مقاتلوكم في الجنوب المُنتمون إلى “حزب الله” يعرفون هذه الحقيقة. وهم أيضاً يريدون أن يبقى الجيش اللبناني حيّاً وفاعلاً وصامداً وإن كورقة تين. ذلك أنّهم يعرفون أنّ فقدانه صدقيّته وحيويّته سيدفعهم إلى صدارة القيادة العسكريّة في البلاد مثلما هم الآن في صدارة القيادة السياسيّة. وهذا ما لا يريدونه لأنّه سيتسبَّب بتدهور كبير مع الدولة المُجاورة للبنان من جهة في الجنوب أي إسرائيل. فضلاً عن أنَّ إمساكهم بالوضع السياسي الداخلي لا يبدو كاملاً رغم نجاحه وخالياً من المطبّات والعقبات الصغيرة والكبيرة مثل موضوع ترسيم الحدود اللبنانية البحريّة والبريّة مع إسرائيل. فهذا الموضوع لا يزال على الطاولة لكنّه يحتاج إلى حكومة فاعلة وقادرة في بلادكم أي لبنان وفي اسرائيل. وكما أرى الأمور أعتقد انّ على لبنان أن يتّخذ عدداً من القرارات المُهمّة. لكن نظراً إلى الاضطراب والاهتياج السياسيَّيْن الشديدين هناك قرارات مُهمّة لا تستطيع بلادكم اتخاذها في ظلِّ أيِّ حكومة لبنانيّة”.