أفلام وتلميع وتجنيد! – حسين شبكشي – الشرق الأوسط

تقول القاعدة الذهبية الأولى في أصول إدارة الترويج والعلاقات العامة أنه في الظروف الجيدة عليك أن تعلن، بينما في الظروف السيئة والصعبة يجب أن تعلن. ويبدو جلياً أن هذه هي الفلسفة العملية التي يتبعها الآن جهاز الاستخبارات الإسرائيلي المعروف باسم «الموساد». فمع الضربات المتلاحقة لقيمة وسمعة اسم إسرائيل في المحافل الدولية عموماً، والغربية منها تحديداً، سواء أكان ذلك على الصعيد السياسي، أم الحقوقي، وأصبحت إسرائيل في وضع أضعف بكثير حيال الدفاع عن سياساتها ومواقفها وقراراتها المثيرة للجدل دوماً، لأنها باختصار لم تعد مقنعة في تكرار نغمة كونها «الدولة الديمقراطية الوحيدة وسط محيط من الأشرار»، كما كانت تقول عن نفسها دوماً، ليظهر وجه آخر؛ وجه قمعي عنصري يمارس سياسات «الأبارتايد»، وذلك حسب كبرى المنظمات الحقوقية العالمية.

وكما توضح بعض التقارير المطلعة، فإن الموساد يستغل منصات البث مثل «نتفلكس» و«آبل تي في» و«هولو» لتوصيل صورة مثالية ورومانسية عن أبطال التجسس الإسرائيلي في قصص «نجاحات وبطولات» الجهاز الشهير، وذلك بلي الحقائق درامياً ليزيد الانبهار للأحداث والأبطال، وبالتالي التعاطف مع إسرائيل، وذلك لأجل تحسين الصورة في أذهان المشاهدين، وكذلك تحسين فرص تجنيد جواسيس جدد لهم.




وهذا ما حدث في فيلم «العملية النهائية»، الذي يحكي تجربة الموساد في القبض على النازي الكبير أدولف آيكمان، وجلبه من بيونيس أيريس ومحاكمته، ومن ثم إعدامه في إسرائيل، وفيلم «الملاك» الذي يحكي من وجهة نظر إسرائيلية بحتة عن علاقة أشرف مروان بالموساد، وفيلم «الجاسوس» عن قصة تجسس الإسرائيلي إيلي كوهين في دمشق، والقصة هذه بالذات كانت مليئة بالكذب والمغالطات، خصوصاً عن علاقته بالرئيس السوري أمين الحافظ، الذي لم يكن بالأرجنتين وقت تعارفه على إيلي كوهين، حسب الفيلم.

كما أن الفيلم لم يذكر فشل إيلي كوهين المدوي في مهمته الأولى، التي تطلبت منه تصفية ألويس برونر النازي الشهير، الذي كان مساعداً لأدولف آيكمان ومقيماً في دمشق، إلا أن إيلي كوهين فشل في المهمة، ولم ينجح الطرد الملغم الذي أرسله لبرونر في القضاء عليه. وعرضت هذه الأفلام الثلاثة، بالإضافة إلى مسلسل «فوضى» الخيالي، الذي يظهر بطولات شخصيات منسوبة للجهاز على منصة «نتفلكس» التي لم تكن وحدها في بث مثل هذه النوعية من الأفلام، فكان لـ«أبل تي في» نصيب ببثها لفيلم «طهران» الذي يروي نجاحات عميلة للموساد بالعاصمة الإيرانية في عمليات اختراق سيبرانية، وكذلك منصة «هولو» هي الأخرى كان لها نصيب ببثها لفيلم «العلم المزيف»، الذي يصور تفاصيل اغتيال القيادي الفلسطيني محمود البحبوح في دبي على أيدي عملاء الموساد.

ويتبع الموساد في توجهاته هذه، الأسلوب نفسه الذي سلكه جهاز المخابرات البريطانية عبر الترويج لنفسه من خلال أفلام العميل السري 007 المعروف باسم «جيمس بوند»، التي ابتكرها الروائي البريطاني إيان فليمنغ، والتي نجحت نجاحاً أسطورياً، وساهمت في جاذبية التجنيد لهذه المنظمة السرية في وسط ظروف قاسية وصعبة بسبب أجواء الحرب الباردة وقتها.

كان لفيلم المخرج السينمائي الأميركي الكبير ستيفن سبيلبيرغ «ميونيخ»، الذي يحكي عن الانتقام القوي والدؤوب من قبل المخابرات الإسرائيلية في حق منفذي عملية حجز رهائن البعثة الرياضية الإسرائيلية المشاركة في دورة الألعاب الأوليمبية بميونيخ 1972؛ كان لهذا الفيلم دور مهم في «إبراز المناخ القاسي والحياة الجامدة التي يعيشها عملاء الجهاز، وهذا أثر سلباً على تجنيد العملاء الجدد»، وذلك حسب أحد التنفيذيين السابقين في الموساد لإحدى الصحف الأميركية. علماً بأن الجهاز كان يتنافس مع كبرى شركات التقنية الناجحة في إسرائيل لجذب المواهب المميزة الشابة.
والسياسة الجديدة لا تزال في أولها فهي نجحت في تحقيق نسب مشاهدة لا بأس بها لقصص أرشيفية لجهاز كان يفتخر بالإنكار والسرية لكافة عملياته، وبالتالي هذا الانفتاح يقلق عملاءه القدامى ويخيفهم ويشعرهم بالارتباك.

إعادة تلميع صورة إسرائيل ونجاحها في جلب المواهب المميزة سيتطلب أكثر من عرض أفلام على منصات ترفيه، ولكن هذا يؤكد أن للحروب جولات مختلفة حتماً.