أتعبتنا يا دولة الرئيس

قاسم يوسف – أساس ميديا

تعوزني الذاكرة يا دولة الرئيس فلا أتذكّر. ربّما هي كثرة الكبوات والخيبات التي حفظناها جميعاً عن ظهر قلب، حتّى صرنا نعرفك كما يعرف أحدنا راحة يده. وربّما هو اجتهاد أو رغبة مُضنية بالنسيان. حاولنا دائماً أن ننسى أو نتناسى. لا فرق. المهمّ أنّنا تجاوزنا مرّة تلو مرّة تلو مرّة. كنا نُمنّي النفس بالقاعدة المعروفة: خيرُ هذا بشرِّ ذاك. ثمّ لا نلبث أن نردّد بصيغة السؤال والإجابة على مسامعنا، ومسامع مَنْ يسمع: وهل ولد كلّ الناس يُحسنون ما يصنعون؟




بدأت حكاياتنا معك بواقع فُرِض بالدماء. لم يكن المجال متاحاً لا للترف ولا للدلع. التقينا معاً فوق بحر من الدماء، وتحت جبل من الوجع. لهذا كنّا نحسب دائماً أنّنا أقوى منك، وأكثر قدرة وتمرّساً وجسارة. ليس على المواجهة وحسب، بل على ترسيخ حضورنا الوازن في المعادلة الداخلية المعقّدة، بتقاطعاتها وتشعّباتها وحساسيّاتها وشخصيّاتها الكثيفة الممارَسة والخبرة والدهاء. كنّا ندرك تماماً، يا دولة الرئيس، أنّهم سيرتطمون بك وبنا. مرّة ومرّتين ومرّات. لكنّنا صبرنا وصمدنا وقاتلنا، بل ووقفنا في ركابك وقفة رجل واحد. كانت الساحات والجماهير والقلوب طوع بنانك. كلّما أخطأت برّرنا الخطأ وتجاوزناه. وكلّما تراجعت بحثنا بلا هوادة خلف أسباب موجبة. لا لنقنع الناس. بل لنقنع أنفسنا أوّلاً بسمفونيات التبرير: السياسة فنّ الممكن والمتاح. وما لا يؤخذ كلّه لا يُترك جُلّه. ولا بأس بخطوة إلى الوراء بعد خطوتين إلى الأمام. هكذا. بهذه الروحيّة. بهذا الحرص. خلقنا الأعذار. صنعنا الأكاذيب وصدّقناها. وما كنّا نودّ يوماً أن نُصدّق سواها.

عرفنا متأخّرين يا دولة الرئيس أنّ من ينظر إلى موطئ قدميه يخرّ ساقطا. تناهى هذا الإدراك إلى بصيرتنا توازياً مع التسوية الرئاسية المشؤومة. كنّا نظنّها وقتذاك أبغض الحلال بعد انسداد الأفق واستدامة الشغور. لنعود وندرك أنّها صفقة رديئة الإنتاج والإخراج. وأنّ بنودها لا تتعدّى تقاسم الغنائم وتوزيع الحصص. هذا ناهيك عن الأخطاء المدمّرة في إدارتها. بدءاً من أصغر تفصيل، وصولاً إلى نسف الأعراف، وتعديل الدستور بالممارسة، والاعتداء الموصوف على المواقع والصلاحيّات. ويكفي، على سبيل المثال لا الحصر، أن نستحضر مجزرة قانون الانتخاب، لنتعرّف إلى العبثيّة واللامبالاة التي تمّ التعاطي بهما مع ملفّ أساسي ومحوري، بل ومؤسّس لمعادلات وتوازنات جديدة.

هذه الممارسة لا تأتي طبعاً من فراغ، بل شكّلت استمراراً لسياسة التساهلات غير المحسوبة، ودائماً تحت سقف حماية البلد وتأمين استقراره السياسي والأمني والاقتصادي. وفي مراجعة سريعة ومقتضبة، يتّضح أنّ الردّ الشعبي على أحداث السابع من أيّار أفرز أكثرية نيابية موصوفة في انتخابات عام 2009، لكنّ الردّ السياسي الأوّل تمثل في المسارعة إلى مدّ اليد والتنظير لحكومة وحدة وطنية، وهي الحكومة التي حصد حزب الله وحلفاؤه فيها ثُلثاً مقنّعاً، وقد أطاحوا لاحقاً بسعد الحريري، وهو عند عتبة المكتب البيضاوي في البيت الأبيض.

وعلى هذه القاعدة قِس ما شئت: يقتلون وسام الحسن فتكون النتيجة من أمام المحكمة الدولية في لاهاي إعلان قبولنا بتشكيل حكومة مع حزب الله تحت عنوان ربط النزاع. يقتلون محمد شطح، فيأتي الردّ بفتح حوار مع حزب الله. وأذكر هنا، للتاريخ، أنّ الرئيس فؤاد السنيورة استعان وقتذاك بآية قرآنيّة (87) من سورة يوسف لتبرير الإصرار على تكرار تجارب الحوار الفاشلة: “لا ييأس من روح الله إلا القوم الكافرون”.

هذه السرديّة لا تتوخّى نبش الدفاتر القديمة أو إعادة توزيع المسؤوليّات، بقدر ما نحاول عبرها إنعاش الذاكرة بهدف فهم الواقع الذي وصلنا إليه. وهو واقع لا ينفصل إطلاقاً عن هذه الوقائع وغيرها، وبالتالي فإنّ استعادة التوتّر الأقصى مع رئيس الجمهورية وصهره وتيّاره بعد شهور العسل، لن تمسح آثار التسوية من أذهان الناس الذين لُدغوا من الجُحر نفسه مرّات ومرّات.

كفى يا دولة الرئيس. كفى. لقد أتعبتنا واستنزفت كلّ قدرة لدينا على التبرير. لأنّنا صرنا ندرك أنّ رفع الصوت لا يعدو كونه وسيلة لإعادة جرّنا إلى المستنقع نفسه. فيما مسؤوليتك الوطنية والأخلاقية تقتضي التصرّف الآن بخلاف ذلك، بعيداً من الشعبويّات ومحاولات ذرّ الرماد في العيون. وإن كان لا بدّ من نصيحة مجرّدة وصادقة، فالنصيحة أن تعتذر وأن تنسحب.

أخرجنا من “الأسر” ولتترك الخراب لأهله ولسلاحه.