لا اعتذار… وأسماء جديدة تتحضّر!

مجد بو مجاهد – النهار

تدور العجلة السياسية اللبنانية في مكانها من دون إحداث أي خرق أو تقدّم ملحوظ في أيّ من الملفات الملحّة، وفي طليعتها ضرورة تشكيل حكومة إصلاحية بالمعايير الانقاذية المطلوبة. ويبدو لافتاً تزاحم العناوين التي تطبع الملف الحكوميّ في الأيام الأخيرة، لجهة تلويح عدد من القراءات السياسية بتضاعف مؤشرات سيناريو اعتذار الرئيس المكلف #سعد الحريري عن عدم التأليف، وبداية تداول أسماء جديدة للتكليف. وتبقى هذه الترجيحات لناحية الاعتذار، مجرّد توقعات تملأ فراغ الوقت الضائع من دون أن تشكّل معطيات محسوسة. ويأتي ذلك في وقت تتضاعف فيه التباينات المعبّر عنها اعلامياً بين “التيار الوطني الحرّ” و#حزب الله”، والتي برزت في مواقف وتغريدات أكثر من مسؤول وقيادي على المقلبين، ما يثير تساؤلات حول ما إذا “شدّ الحبال” بين الحليفين عبارة عن أسلوب تكتيّ متفق عليه مسبقاً، أو أنه يُعبّر فعلاً عن اختلافات جذرية. وتثبت التجارب الماضية أن التباينات “البرتقالية” و”الصفراء” لم يسبق أن شكّلت معطى حقيقيّاً يشير إلى افتراق أو نزاع سياسي بين الفريقين، بل لطالما كان بمثابة تباين شكليّ لم يؤثر على خياراتهما السياسية المتشابهة، وثمة من يرى أنه تباين متّفق عليه. وتنطلق أوساط سياسية من هذه المقاربة، لتدلّ على أن كلّ ما يحصل من لقاءات على صعيد “الحزب” و”التيار” للبحث في الموضوع الحكومي، لن يؤدي إلى نتائج طالما أن “حزب الله” لا يضغط بشكل جديّ وفعلي على حليفه من أجل التأليف، وطالما أنه لم يعطِ حتى اللحظة إشارة ولادة الحكومة.




ماذا عن خيارات الحريري في هذه المرحلة التي تشهد جموداً مستمرّاً؟ لا تزال كلّ القراءات السياسية التي تشير إلى توجّه لدى الرئيس المكلّف للاعتذار سابقة لأوانها، ولا تعبّر عن حقيقة التوجّهات المكتوبة على جدول أعمال الحريري. وتشير معطيات “النهار” أنه سيستمرّ في دراسة كلّ الخيارات المتاحة في ظلّ عدم تحقيق أي تقدّم في الملف الحكوميّ، وفي مقدّمها الاستمرار في التكليف الذي يشكّل حتى الساعة العنوان الأوّل في توجّهات “بيت الوسط”، فيما لم يُتّخذ أي قرار بالاعتذار ولم يتبلور أي توجّه في هذا السياق حتى الآن. ويتشبّث الحريري بمسألتين رئيسيّتين في هذه المرحلة. وتتمثل المسألة الأولى في تمسّكه بضرورة التوصل إلى تأليف حكومة وفق الأصول الدستورية بالتوافق مع رئيس الجمهورية. وتكمن المسألة الثانية في اتفاق كان عقده مع رئيس مجلس النواب نبيه بري حول عناوين مبادرته. وتشير مصادر “بيت الوسط” إلى أن بري كان يفترض أن يتلقى أجوبة من رئيس الجمهورية حول مبادرته، لكن يبدو أن الأخير فوّض صلاحياته لرئيس “التيار الوطني الحرّ” النائب جبران باسيل. وقد طرح بري مقترح تشكيل حكومة من 24 وزيراً على قاعدة 3 ثمانات من دون إعطاء ثلث معطّل لأحد. وتوافق مع الحريري على عنوانين اثنين: زيادة عدد الوزراء إلى 24 من جهة، وإعادة توزيع الحقائب من جهة ثانية. ويتمسّك الحريري بتسمية كلّ الوزراء في الحكومة، بما في ذلك الاسماء المحسوبة على رئيس الجمهورية، والتي يريد أن يختارها بالتشاور معه.

لكن، يتمثل الجديد الذي برز في الأيام الماضية في حراك على صعيد أكثر من شخصية سياسية بدأت تعدّ العدّة التحضيرية لأي اعتذار – رغم انه يبقى حتى الآن خياراً غير قائم – وتبدي استعدادها للقبول بتكليف جديد وخوض “مغامرة التأليف”. ويبرز في هذا السياق تحرّك يقوده الوزير السابق فيصل كرامي على المرجعيات السياسية ويبحث من خلاله السيناريوات الحكومية المرتقبة. وعُلم أن عبارة كرامي التي تختصر المرحلة تكمن في أنه “إذا دعي إلى ترؤس الحكومة سيلبي المهمة”. وتقول مصادر كرامي عبر “النهار” إن الحريري إما سيؤلف وإما يعتذر في النهاية، وفي اللحظة التي سيعتذر فيها الحريري – إذا حصل ذلك – سيدعو رئيس الجمهورية إلى استشارات نيابية ملزمة لتسمية رئيس مكلّف آخر. وتعتبر المصادر أنه من الطبيعي أن يكون كرامي من ضمن الأسماء التي باستطاعتها تمرير المرحلة المقبلة بالحدّ الأدنى، مع برنامج واضح في حال اعتذار الحريري. وأتت الزيارات التي كان قام بها كرامي في هذه المرحلة من باب التباحث في الشأن الداخلي اللبناني، والتي حصل التطرق فيها إلى موضوع تشكيل الحكومة. وهو بحث مع رئيس الجمهورية كما في زيارته إلى بكركي في الملف الحكومي والسيناريوات الممكنة. ويتبنى كرامي عناوين حكومة ترضي المجتمع الدولي والسعي إلى وقف الانهيار وتمرير المرحلة حتى إجراء الانتخابات النيابية. ويضع تصوّراً قائماً على تشكيل حكومة من خبراء تباشر في تنفيذ الإصلاحات من دون خروجها من الطابع السياسي. ويدحض نظرية أنه سيكون رئيس حكومة فريق أو محور معيّن، بل يريد تشكيل حكومة جامعة ولن يقبل بحكومة من لون واحد.

وتضيء مصادر كرامي على اللقاء الذي حصل الخميس الماضي مع موفد من السفارة الأميركية، وقد جرى التطرق خلاله إلى الواقع اللبناني عموماً، مع إشارة المصادر إلى أن اللقاء تطرّق إلى موضوع ضمان استقرار لبنان ودعم الجيش اللبناني. وتعلن مصادر كرامي عن زيارة قام بها السفير الروسي إلى دارته قبل أسابيع ولم يعلن عنها سابقاً في الإعلام. و تلفت أيضا إلى زيارة كان قام بها السفير التركي خلال الأسبوعين الماضيين إلى دارة كرامي الذي استبقاه إلى مائدة الغداء. وكذلك، كان استقبل سفراء الاردن والجزائر والمغرب على صعيد العالم العربي. وفي خلاصة مصادر كرامي أن الحريري يبقى رئيساً مكلّفاً دستورياً ولا يمكن سحب التكليف منه، لكن لحظة يقرّر أنه يعتذر عندها لا بدّ من الحديث عن شخصية أخرى تتولى المهمة.

في الموازاة، تقلّل أوساط مواكبة للملف الحكومي من أهمية اندفاعة أي شخصية جديدة للتكليف، وترى أنها سابقة لأوانها، طالما ألا قرار لدى الرئيس المكلف بالاعتذار حتى الساعة، وأن المهم يبقى في تذليل العقبات لتشكيل حكومة بالمعايير الانقاذية المطلوبة.