هل نصرالله في المعارضة أم الموالاة؟

شارل جبور – الجمهورية

من استمع إلى أمين عام «حزب الله» السيد حسن نصرالله يوصِّف واقع الحال المأسوي في لبنان، ويضع المسؤولية على الدولة بوزاراتها وإداراتها ومقترحاً الحلول، يظنّ لوهلة أولى انّ نصرالله في المعارضة وينتقد أداء السلطة ويقول للبنانيين أنا البديل.




يختلف واقع الحال جذرياً عن تشخيص الأمين العام، فالحكومة المستقيلة حكومته، وهي حكومة اللون الواحد، وهو الذي اختارها لمواجهة الأزمة المالية، علماً انّ الوضع المالي كان أفضل بكثير نسبياً قبل استلامها مما هو اليوم، وللتذكير فقط، بأنّه كان مع حكومة سياسية وضّد حكومة اختصاصيين ولو مشّكلة من قبل أحزاب 8 آذار، ولكنه عاد وتراجع بسبب ضغط الشارع وفداحة الأزمة المالية، فيما لو تشكلّت حكومة اختصاصيين فعليين لكان الوضع تحسّن بالتأكيد، وبالتالي يتحمّل مباشرة مسؤولية التدهور الدراماتيكي الذي أصاب لبنان واللبنانيين، لأنّه لو تشكّلت حكومة متفلتة من قيود فريق 8 آذار السياسي لنجحت حتماً في التفاوض مع صندوق النقد الدولي، وأنجزت الإصلاحات المطلوبة، ووضعت البلد على سكة الخروج من الأزمة الحادة القائمة.

وما ينطبق على الحكومة ينسحب على رئيس الجمهورية الذي هو حليف «حزب الله»، ولا يتخذ اي موقف ولا يقوم بأي خطوة تزعج الحزب وتستفزه. وإذ وجد من مأخذ للرئيس ميشال عون على حليفه نصرالله، فيكون بسبب وقوف الأخير على مسافة واحدة بينه وبين الرئيس المكلّف سعد الحريري، فيما عون يريده ان يكون إلى جانبه كلياً وقلباً وقالباً، وداعماً له على حساب الحريري.

وفي المحصلة لا الحزب في وارد التناقض مع عون ولا العكس صحيح أيضاً، على رغم التباينات التكتية بينهما تحت سقف تحالفهما الاستراتيجي.

وفي موازاة الحكومة المستقيلة ورئيسها ورئيس الجمهورية، فإنّ لدى السيد نصرالله الأكثرية النيابية، التي يكفي ان يمنع من خلالها خطوة أساسية، وهي رفض تقصير ولاية مجلس النواب من أجل ان يواصل تحكّمه بالاستحقاقات الحكومية والرئاسية. وقد دلّ ردّ فعله العنيف على رفض الانتخابات المبكرة الى السبب الذي يمنع «التيار الوطني الحر» من ترجمة تلويحه بالاستقالة إلى خطوة عملية، وهو لم يحتمل مجرّد التلويح، فأفهمه بأنّ الاستقالة هي من الخطوط الحمر المحظور تجاوزها، فسحب رئيس التيار جبران باسيل فوراً الاستقالة من التداول.

وما ينطبق على باسيل ينسحب على غيره من القوى السياسية التي تتجنّب المطالبة بتقصير ولاية مجلس النواب، تلافياً لاستفزاز الثنائي الشيعي الذي يتعامل مع تقصير الولاية او الاستقالة، بكونهما فعل اعتداء على صلاحيات الشيعية السياسية في النظام، وانّ ولاية مجلس النواب لا يجب ان تُمسّ على غرار ولاية رئيس الجمهورية، علماً انّ المقارنة لا تجوز، لأنّ المسألة غير مرتبطة برئيس المجلس ودوره وصلاحياته، وهذا الموضوع خارج البحث والنقاش أساساً، ويقتضي الفصل بين رئيس المجلس والمجلس، والأوّل لا يختزل الثاني الذي هو هيئة منتخبة من قِبل الناس وتعكس مزاج هؤلاء الناس.

كما انّ المجلس هو المولِّد لكل السلطات، وصلاحياته لا تنحصر بالتشريع، إذ في حال واجه البلد أزمة تأليف حكومة على وقع أزمة مالية حادّة على غرار واقع الحال، فلا يجب ان يبقى المجلس في موقع المتفرِّج على هذه الأزمة، لأنّ الصراع بين رأسي السلطة التنفيذية أدّى إلى تحجيم دوره وتهميشه، فيكون الردّ بتقصير الولاية تمهيداً لإعادة خلط الأوراق، وكيف بالحري إذا كانت الولاية شارفت على نهايتها، وتقصيرها يجنِّب التمديد للانتخابات البلدية والاختيارية، والناس التي انتفضت أظهرت انّ خياراتها تبدّلت عن الانتخابات الأخيرة، وبالتالي لكل هذه الأسباب لا يجب التعامل مع تقصير الولاية وكأنّه عمل عدائي وعدواني، بل مجرّد خطوة ديموقراطية هادفة إلى إخراج البلد من أزمته.

فالتعامل مع ولاية مجلس النواب بأنّها مقدّسة يضرب مرتكزات النظام البرلماني اللبناني، خصوصاً انّ تقصير الولاية ليس رهن إرادة رئيس الجمهورية او السلطة التنفيذية كما كان قبل اتفاق الطائف، إنما المجلس مجتمعاً، من أجل ان يتحمّل مسؤوليته الوطنية في معالجة أزمة مالية غير مسبوقة لبنانياً، وبالتالي لا يجب ان تشكّل خطوة من هذا النوع استفزازاً لأحد، فضلاً عن انّ رئاسة مجلس النواب ستبقى بيد الأكثرية النيابية الشيعية، وبالتالي لا يوجد «مؤامرة» على رئاسة المجلس، ولا تعدٍ على صلاحياتها ولا صلاحيات اي من الرئاسات الأخرى، وشأن مجلس النواب لا يجب ان يختلف عن شأن الحكومة التي لا تستطيع أيضاً ان تكون ولايتها ثابتة وغير متحرّكة تبعاً للنظام البرلماني الديموقراطي القائم، وتبدُّل الحكومات لا يمُّس بدور رئيس الحكومة وصلاحياته، والربط بين رئيس الحكومة والحكومة لا يجوز، كما لا يجوز الربط بين رئيس مجلس النواب ومجلس النواب. وما دامت الأمور على هذا النحو، فلا عجب ان يطالب السنّة مثلاً بتحديد ولاية الحكومة بولاية البرلمان، فتصبح ثابتة على غرار الرئاستين الأولى والثانية على قاعدة «ما حدا أحسن من حدا».

وما تقدّم، يفسِّر بوضوح ما قاله النائب السابق وليد جنبلاط للدكتور سمير جعجع، عندما اقترح الاستقالة من مجلس النواب كخيار انقاذي للناس والبلد، فكانت ردة فعل جنبلاط «بقاتلوك».

ولكن يحاول الجميع طبعاً إخفاء السبب الحقيقي لرفض تقصير ولاية البرلمان، فإما يتذرع برفضه القانون، او يتحجج بأنّ الانتخابات لن تبدِّل في ميزان القوى المجلسي. وحتى الثنائي الشيعي يخفي رفضه الحقيقي لتقصير الولاية التي يعتبرها مساً بدوره داخل النظام السياسي، فيما هذا الرفض يمسّ بدور مجلس النواب الذي يمثِّل العمود الفقري للنظام السياسي، ويجب ان يبقى ضابط إيقاع الحياة السياسية، وممثلاً لنبض الناس وتوجّهاتها. وفي مطلق الأحوال، لا يستطيع السيد نصرالله، الممسك بمفاصل الرئاسات الثلاث، ان يحمِّل غيره مسؤولية ما آلت إليه الأمور على مستوى البلاد والعباد، إذ يتحمّل وفريقه السياسي المسؤولية الأكبر بالحدّ الأدنى كي لا نقول منفرداً. والتقصير الفادح الحاصل هو نتاج حكومته وأداء رئيس الجمهورية وفريقه.

كما انّه يتحمّل مسؤولية الفراغ الحكومي بسبب رفضه تقصير ولاية مجلس النواب للحسابات المفصّلة أعلاه، ما يعني انّ الأزمة بشقيها المالي والدستوري هي من مسؤولية «حزب الله»، وبالتالي لا يمكنه رميها على الآخرين. وفي هذا المجال تبرز ثلاث وجهات نظر للتعامل مع خطاب نصرالله:

الوجهة الأولى، تلقّت رسالته العالية النبرة برفض الانتخابات والدعوة إلى التأليف بوضوح تام، وتريد ان تتعامل مع هذه الرسالة بجدّية، عن طريق تسريع ولادة الحكومة، خصوصاً انّ السيد نصرالله أوحى بكلامه المتشدّد بأنّه سيتعامل مع إفشال مبادرة الرئيس نبيه بري المدعومة شكلًا ومضموناً من قِبله من خلال اللجنة التي تتولّى الوساطة، كفعل عدائي يرمي إلى تصوير دوره بغير المؤثر داخل الأكثرية التي يشكّل عمودها الفقري، وهذا ما دفعه إلى التلويح بخطوات بمعزل عن الحكومة التي هي حكومته. وبالتالي، تبعاً لكل ذلك ستشهد الأيام القليلة المقبلة تسريعاً في ولادة الحكومة وتحديداً من قِبل باسيل الذي أُبلغ حدود اللعبة وهامشه داخلها.

الوجهة الثانية، تدعو بشكل واضح إلى تسليمه الدولة علناً، لا كما هو حاصل بشكل علني ومضمر في آن معاً اليوم. وبمعنى أوضح، ان يعتذر الرئيس المكلّف سعد الحريري وان ينكفئ جنبلاط عن دعواته للتسوية، ويصار إلى ترك «حزب الله» وفريقه يتدبّر شأنه بالتكليف والتأليف، وما يستتبع ذلك من خطوات، على غرار فتح الحدود أمام البنزين الإيراني الذي يعرّض لبنان لعقوبات دولية.

وبالتالي، فليحكم علناً ويتحمّل مسؤولية حكمه حيال الداخل والخارج، وذلك على قاعدة «إذا ما كبرت ما بتصغر»، إذ لم يعد من الجائز تغطية هذا الواقع بورقة تين يجب ان تُنزع، ليعرف المجتمع الدولي بأنّ لبنان تحت حكم الحزب مباشرة لا مداورة، وان يتحمّل هذا المجتمع مسؤولياته.

الوجهة الثالثة، تدعو إلى مواصلة ربط النزاع معه وطنياً وسياسياً والتمسك بالدعوة لانتخابات مبكرة ورفض المشاركة في اي حكومة مفاصل القرار ليست بيدها، بل بيد الأكثرية الحاكمة، كما التمسك بالاستقرار الأمني إلى أبعد حدود وبالرعاية الدولية من أجل إبقاء لبنان ضمن الشرعيتين العربية والدولية، وإبقاء كل ممارساته وخطواته تحت المجهر، ودعوة الناس لخوض الانتخابات بكثافة من أجل إسقاط المشروع السياسي الذي بدأ في العام 1990 واستمر في العام 2005 وأوصل لبنان إلى هذا الفشل الذي لا يمكن الخروج منه سوى بمشروع سياسي آخر.

وفي موازاة الموقف المبدئي للثنائية الشيعية، من رفض تقصير ولاية البرلمان، فإنّ أولوية السيد نصرالله الحفاظ على الستاتيكو الحالي بانتظار تطورات او مفاوضات فيينا النووي، ليُبنى على الشيء مقتضاه.

لو تشكّلت حكومة متفلتة من قيود فريق 8 آذار السياسي لنجحت حتماً في التفاوض مع صندوق النقد الدولي.